مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة
 

 

 

أبو مودود حاجب الطائي

 


(ت: حوالي 145هـ/768م)

  بقلم د. محمد ناصر

هو أبو مودود حاجب الطائي، مولى بني هلال، نشأ بالبصرة و عاش بها.

من رجالات الإباضية الأوائل، و معتمدهم في التنظيم المالي و العسكري، و فض الخصومات، و تعيين الوعاظ و المرشدين و الدعاة.

انضم إلى الحركة الإباضية بعد موت جابر بن زيد، و أصبح اليد اليمنى لأبي عبيدة مسلم، يعينه و يستشيره في المهمات الكبيرة.

و تدل أخباره في السير أنه كان رجلا مهيبا، ذا لحية طويلة حتى لقب باللحياني، و ربما هابه بعض جلسائه أكثر من هيبتهم أبا عبيدة نفسه، على الرغم من أنه كان أقل علما و فقها من أبي عبيدة، كما أشار بذلك أبو سفيان محبوب بن الرحيل، حيث يقول: " لم يكن صاحب فقه"(الدرجيني ، طبقات ص276، و ربما قال عنه ذلك مقارنة بأبي عبيدة و إلا فما الذي يجعل أبا عبيدة يرسله في مهمات فض الخصومات، و حل المنازعات، و لقاء المسلمين في موسم الحج لو لم يكن كذلك.

لأننا نجد أبا سفيان يقول في موضع آخر "و كان الحاجب هو القائم بأمور المسلمين في مثل هذه الأشياء من أمر الدين و الفتاوى" ص252

و هذا ما يفسر قول الدرجيني، حيث يصفه بقوله "كان بالاجتهاد موصوفا، و بالزهد و الورع معروفا، و في ماله حق للسائل و المحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل العلوم" العلوم، ص248

كان الحاجب هو القائم بمثل هذه الأمور للمسلمين، من أمر الحرب، و جمع المال و المعونة، و الخصومة، و أبو عبيدة إليه يسند أمر الدين و المسائل (سير الدرجيني، طبقات، 242-252)

و ما لبثت أن أصبحت داره بالبصرة مركزا مهما للشيوخ و الفتيان ممن يلتحق بالحركة الإباضية، و كانت ملتقى للجلسات السرية التي تعقد بعيدا عن أعين السلطة الحاكمة. و كانت تقام فيه الصلاة أثناء رمضان، و كانت له جلسات لكل فئة: جلسات خاصة لشيوخ الحركة للمهمات السياسية و التنظيمية، لا يحضرها إلا من يوثق فيه. و جلسات للفتيان و الشباب للمذاكرة و الوعظ و الإرشاد، و كانت علنية حتى يموهوا بذلك الأمر عن عيون سلطة بني العباس.

و لمقدرة حاجب الطائي في التنظيم و نشاطه الحركي، أسند إليه أبو عبيدة مهمة جمع المال، و شراء السلاح، فكان له الفضل في تزويد حركة طالب الحق في اليمن، و حركة أبي حمزة المختار في الحجاز ما بين (129-180هـ) ثم حركة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان سنة 130هـ (الشقصي، منهج الطالبين، ج1/616)

و قد أورد الدرجيني نقلا عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل طريقة أبي مودود في جمع المال، حيث يقول:

"لما خرج الإمام عبد الله بن يحي، و وجه أبا حمزة بن عوف أقام حاجب فجمع له أموالا كثيرة ليعينه بها، قال فكتب إلى كل موسر من المسلمين قدر ما يرى، قال فما امتنع عليه أحد، قال و دعا أبا طاهر و كان شيخا فاضلا، قال عليك بالنساء و أوسط، فإنا نكره أن نكتب عليهم مالا يحملون، قال فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين، قال فلم يأتوا يومئذ امرأة و لا رجلا إلا وجدوه مسرعا فيما سألوه.. فلم تمس الليلة إلا و جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم، قال فأتوا حاجبا فأخبروه فسر بذلك، و قال إن في الناس لبقية.  بعد، قال فاشترى بتلك الأموال سلاحا و وجهه، و وجه ما بقي إلى حمزة (رحمه الله) الدرجيني، طبقات، ج2/262

و مما يدل على دور الحاجب العظيم في هذا المجال، و تفانيه في جمع المال أنه عندما توفي ترك دينا عظيما بلغ أكثر من مائتي و خمسين ألف درهم، و عندما أراد إخوانه غسله تشاوروا في أمر هذا الدين، فقال لهم الفضل بن جندب، و كان مولى و ليس له وارث "دينه علي دونكم حتى أعجز عنه و لا يبقى لي مال" و مات الفضل قبل أن يؤدي عن حاجب، مما اضطر زوجه أم الصلت لبيع دار له بالبصرة و أخرى بصحار لسداد ذلك الدين الذي ضمن لها فيه حاجبا. (الدرجيني، طبقات، ج2/250)

و قد تجاوزت مهمة أبي مودود الشؤون الإدارية و العسكرية لتشمل مسائل الفتوى و المرجعية، و هو ما يدل على علمه و فقهه، و رجاحة رأيه و بعد نظره، و كان المسلمون لا يكادون يخرجون عن رأيه إذا احتكموا إليه، و كان أبو عبيدة يحترمه و يقدره من أجل ذلك (الدرجيني، ج2/242).

فقد احتكم إليه الطرفان من أهل حضرموت في الخلاف الذي وقع بينهم في أمر عبد الله بن سعيد حين عزلوه، و بايعوا رجلا يدعى حسن، فكان أن استفتوا أبا مودود في موسم الحج بمكة، فيمن هو أحق بالقيام بشؤون المسلمين: الإمام المدافع أم الإمام الشاري؟ فأجابهم: بل الإمام الشاري أحق. (الدرجيني، طبقات، ج2/252)

و كان متشددا مع أهل البدع لا يتهاون معهم في مسائل الأصول، رغم رفقه و مرونته مع أهل المعاصي ما لم يجاهروا، و كان يأمر أصحابه بالرفق بهم و إحضارهم إلى مجالسهم، لكن من أحدث في العقيدة أمر بطرده من المجلس (الدرجيني، ص252) و بذلك كان يوصي عبد الملك الطويل "إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون أشياء تكون بينه و بين الله تعالى فتشاورا في أمره و عظوه، و أحضروه مجالسكم، و ارفقوا به جهدكم، عسى الله أن يتوب عليه. و إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون  في خلافهم في الدين و إرادته أن يشغب عليهم و يفتق بينهم فتقا، فابدوا عورته و اهجروه و  لا تحضروه مجالسكم، و أعلموا الناس به، ليكونوا منه على حذر، أو يتوب" (الدرجيني، ج2/ 252-253)

لذا كان من مهامه مناظرة المخالفين كما حدث عندما ناظر أبا حمزة الكوفي في مسألة القدر (يروي أبو سفيان ما دار بين حمزة الكوفي و أبي عبيدة من جدل حاد حول قضية القدر، انتهى بقول أبي عبيدة "يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان" و حاول حاجب الطائي أن يستصلح من أمر حمزة، و لكنه أصر و ظل يستدرج  النساء و الضعفاء إلى القول بأن السيئات من العباد، فهنالك جمع حاجب الناس لمحضر أبي عبيدة و بأمره تمت البراءة من حمزة" (الدرجيني، طبقات، 2/244. كذا، الجعبيري، البعد الحضاري، ص418)

و هذا النص يدل على رصانة حاجب .  و حرصه على سرية الحركة و استمراريتها من جهة، كما يدل على علمه و اجتهاده و سعة أفقه، و له في هذا الصدد قصص طريفة حكاها الدرجيني نقلا عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل (ينظر الطبقات، ج2/248-253)

و اعتمادا على قصة رواها كل من الدرجيني و الشماخي إن صحت- فإن حاجب الطائي يكون عاش إلى حدود سنة 145هـ السنة التي توفي فيها أبو عبيدة مسلم. قال أبو سفيان: وقع غلام لحاجب عند أبي جعفر (المنصور)، فسأله لمن كان، فقال لحاجب، و كان عالما به و بأبي عبيدة، قد حل عليه يوما فرآه حزينا، فسأله، فقال مولاي الذي كنت له مات، يعني حاجبا، فرجع أبو جعفر و قال: رحم الله حاجبا. ثم دخل عليه بعد ذلك فرآه حزينا، فقال له ما لي أراك حزينا؟ فقال: مات صديق لمولاي يقال له أبو عبيدة الأعور، قال و إنه قد مات، قال: نعم، فرجع و قال: ذهبت الإباضية (الشماخي، سير، ج1/85

سيرته

لم نعثر على آثار حاجب الطائي إلا على سيرة وجدت ضمن مخطوطة سير علماء الإباضية، و لعلاقتها بالمترجم، فإننا نقف عند أهم عناصرها.

تقع هذه السيرة في سبع ورقات من الحجم الكبير، و هي أشبه ما تكون بالوصية، توجه بها كاتبها إلى جماعة المسلمين دون أن يحدد مكانهم، و لعلها كانت موجهة إلى إباضية  المغرب في بداية تكوين دولتهم هناك أيام أبي الخطاب عبد الاعلى بن السمح المعافري (140-145هـ). وقد جاء في السيرة "و قد قال قائد المسلمين و هو يكتب إلى أولي الفضل قبلكم أنه من إخوانكم من يتمنى أن يرى الحق يوما يقام فيه عدل الله و أمره ثم يلحق بالله" (السيرة، 71) و هي العبارة التي قالها الداعية الإسلامي سلمه بن سعد الحضرمي، و هو بأرض المغرب حين قال: "وددت أن يظهر هذا المذهب بأرض المغرب يوما واحدا من غدوه إلى زواله، فما أبالي إن ضربت عنقي" (الشماخي، سير، ص19)

و يقول: "ثم اعلموا رحمكم الله انما أعظمنا عليكم هذه الأمور، و رددناها عليكم على وجوه في معاني مختلفة، فالذي يراد بها أمر واحد و هو أن تقوموا لله بقسطه، و تقيموا أمره في دينه و حقوقه" (السيرة، ورقة 69)

و مهما يكن من أمر فإن العناصر التي دارت حولها هذه السيرة هي التالية:

         ·           أهم المسائل العقدية التي يعتمدها الإباضية

                       ·           الإيمان عقيدة، و قول، و عمل

                       ·           مرتكب الكبيرة كافر (كفر نعمة) حتى يتوب

                       ·           مما ينفي صفة الإيمان: الكذب، النفاق، الشك و الريب في الحق، الحكم بغير ما أنزل الله

                       ·           الإسلام كل لا يتجزأ، و لا تنطبق التسمية إلا على من أتى بقواعد الإسلام جميعا

                       ·           لا طاعة لحاكم لا يطيع الله

                       ·           من واجب الحاكم القيام بأمر الله في دينه و حقوقه

                       ·           دور العلماء إقامة أمر الدين و النصح للمسلمين

                       ·           الأخذ بالأحوط ، و ترك ما يريب إلى ما لا يريب

                       ·           جباية الزكاة، و صرفها في مواطنها من مهام الإمام الأساسية التي يجب عليه القيام بها.

                       ·           من مهام الإمام مراعاة حقوق المسلمين في الدماء، و الأموال، و الفروج

                       ·           تطبيق الولاية و البراءة تطبيقا صارما عادلا

                       ·           الشورى أساس قوي للإمامة

و من هنا يتبين لنا أن أبا مودود حاجب الطائي غلب على فكره التنظيم، و التأسيس للحركة الإباضية في نشأتها قولا و عملا، نظرية و تطبيقا، و لهذا يعد من أوائل المؤسسين لهذه الحركة. و قد تجاوزت آثار فكره و أعماله إلى كل من اليمن، و الحجاز، و المغرب، شبهه في ذلك زميله و شيخه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.

 

أهم المصادر

         ·           أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، سلطنة عمان، 1407هـ/1987م، ج1/84-86

         ·           (مجهول)، سير علماء الإباضية، (مخطوط) مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، السيب، سلطنة عمان

         ·           عيسى العزري، السير العمانية، (مخطوط) معهد القضاء الشرعي، 1418هـ/1997م، ص: 62-70

         ·           عمرو النامي، دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2001م، ص106

         ·           الدرجيني، طبقات المشايخ، ت: ابراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، (دت) ج2، ص:242-252

         ·           عبد الله بن مداد، سيرة ابن مداد، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، 1400هـ/1980م، ص:69-71، 75

         ·           جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج2، 2000م، ص117

         ·           عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، الأردن، 1980م، ص80

فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، سلطنة عمان، 1408هـ/

 
 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تقتضي ذكر المصدر عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع