مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة
 

 

 

دروس من مسند الربيع ومدونة أبي غانم

 

في فقه الطهارة

     الاستاذ خالد الوهيبي

كثير من الأبواب الفقهية تحتاج لضم فروعها وجزيئاتها مع بعضها والخروج بقواعد عامة تجمع شتاتها وتكون صالحة للتطبيق مع أي مستجد في بابها، وهذه هي الطريقة الناجحة في تعليم الناس الفقه بدلاً من حشو أذهانهم بفروع مبعثرة مفككة، وهي طريق لنقل الثقافة من النظرة\ التجزيئية إلى الرؤية التكاملية.

 طرق الاستقراء

وهذه القواعد تستخلص من خلال إجراء عمليات الاستقراء على النصوص، والاستقراء هو عبارة عن توليد المعرفة الكلية من المعرفة الجزئية، وقد أسهم علماء المسلمين في تطوير عدد من طرائق الاستقراء، ومن أهم طرق الاستقراء المعروفة:

1. الطرد: وتهدف إلى تحديد الحيثيات المصاحبة للظاهرة المدروسة وملاحظة حضورها.

2. العكس: وتهدف إلى تعيين الحيثيات التي يتساوق غيابها مع غياب الظاهرة المعينة.

3. الدوران: وتهدف إلى الجمع بين الإجراءين المتبعين في الطرد والعكس.

4. السبر والتقسيم: وهي طريقة طورها علماء المسلمين عن القياس الشرطي المنفصل، واعتمدها الفقهاء في بحوثهم الفقهية بكثرة لتحديد مناط الحكم، وتعتمد هذه الطريقة على حصر الأسباب الممكنة ثم استبعادها واحدة تلو الأخرى.

5. التغيرات المتزامنة: وتهتم هذه الطريقة بالتغير الكمي للحيثيات بدلاً من الاهتمام بتساوق حضورها أو غيابها، ولنجاح هذه الطريقة لا بد من:

- التعرف على جميع الحيثيات المصاحبة للظاهرة.

- توفر المزيج الناسب من الحيثيات.

وقد وظفت هذه الطريقة في البحث في الطبيعيات، وقد أحدثت قفزة هائلة في العلوم الطبيعية، فما يقرؤه طلاب المدارس في كتب الفيزياء والكيمياء من مصطلحات التناسب العكسي (inversely proportional) والتناسب الطردي (directly proportional) ما هو وصف لهذه التغيرات الكمية للحيثيات كما في ثلاثية: الضغط والحجم ودرجة الحرارة.(انظر كتاب إعمال العقل، لؤي صافي).

وسنحاول إن شاء الله تعالى استخدام بعض هذه الطرائق في الأحاديث الواردة في آداب قضاء الحاجة للخروج بقواعد عامة كلية تحكم الموضوع بحركته وتفاعلته المستمر مع الحياة.

 

كتاب الطهارة في مسند الربيع

لم يوجد في مدونة أبي غانم التي وصلت إلينا باب للحديث عن آداب قضاء الحاجة، وفي مسند الربيع رويت 9 أحاديث في كتاب الطهارة: باب الاستجمار.

- والظاهرة التي سنحاول دراستها في هذا الباب هي (القواعد العامة الكلية) لآداب قضاء الحاجة، محاولين تحديد الحيثيات في الأحاديث (77-86) من المسند.

 

1. الحديث (77) (85) "لا تستقبلوا القبلة ببول أو غائط"، وحديث ابن عمر (78) "دخلت على حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً بين لبنتين مستدبر الكعبة مستقبلاً بيت المقدس".

- الحيثية: تنزيه المقدسات عن الاستقبال والاستدبار.

 

2. الأحديث (80) (81) (83): أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بثلاثة أحجار، ونهى عن عن الروث والرمة" وقال عن الروثة: إنها ركس.

- الحيثية: الاستنجاء بالطاهر المنظف لا بالنجس وغير المنظف، وكذا ضرورة إزالة النجاسة والتطهر منها.

 

3. الحديث (83): نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البول والغائط في الأجحرة.

الحيثية: النهي عن البول في الأجحرة إما لأجل: الضرر الذي يلحق بالإنسان من دواب الأرض وهوامها الموجودة فيها كما هو رأي الكثير من الفقهاء، أو لأجل أنها مساكن الجن! كما هو رأي البعض منهم وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

 

4. الحديث (84): كان من أدب النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجة أن لا يكشف إزاره حتى يقرب من الأرض، ومر به رجل وهو يريد البول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام.

الحيثية: الستر والصيانة وعدم الاشتغال بشيء أثناء قضاء الحاجة.

 

وبجمع الحيثيات التي حصلنا عليها في دراسة الظاهرة، تظهر لنا القواعد العامة الكلية في قضاء الحاجة وهي:

- الستر والصيانة ومراعاة الأخلاق.

- التطهر من النجاسة وإزالتها.

- تنزيه المقدسات عن الاستقبال والاستدبار.

- الاستنجاء بالطاهر والمنظف لا بالنجس وغير المنظف.

- اجتناب الضرر في قضاء الحاجة.

- عدم الاشتغال بشيء أثناء قضاء الحاجة.

 

قراءة في القواعد العامة الكلية:

هذه القواعد التي استخلصناها من باب الاستجمار في مسند الربيع بن حبيب تمثل الخطوط العريضة لآدب قضاء الحاجة، وهذه الأحاديث في هذا الباب على قلتها شكلت بمجموعها هذه الخطوط العريضة، وهي المعول عليها في الحكم على مستجدات الحياة في هذا الباب.

 

توجد أحاديث أخرى في هذا الباب رويت في غير مسند الربيع ومدونة أبي غانم، لكنها عند النظر لا تخرج عن نطاق هذه القواعد؛ سواء كان باندراجها تحت بند العمليات المشهورة التي مارستها الأمة عبر أجيالها المتعاقبة أو كونها تمثل جزئيات مكتنزة للنصوص القرآنية، من ذلك:

 

1. ما روي عن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أجئ وأنا غلام معنا إدواة من ماء).

ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى جعل الطهارة من سمات المؤمنين وخصالهم التي يحبها سبحانه فيهم (والله يحب المطهرين)، وجعل سبحانه وتعالى الماء طهرة للبشر أجمعين مما يلاقونه من قذر ونجس (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ)، لذا فمما عملت به الأمة واستقر عليه فقهها الاستنجاء بالماء اقتداء برسولها صلى الله عليه وسلم، والفقه الإباضي بجناحيه المشرقي والمغربي منذ وقت مبكر يرى وجوب استخدام الماء في الطهارة من هذه القذارات تحقيقاً لمدلولات الكتاب العزيز وجرياً على ما استقر عليه عمل الأمة في ذلك.

 

2. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا اللاعنين، الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم).

هذه الأمور التي جاءت في هذه الأحاديث لا تخرج عن دلالات الكتاب العزيز قال تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) فالآية تنهى عن إيقاع الفساد(=التلوث) بالبيئة، ولا شك أن إلقاء الإنسان لهذه النجاسات في هذه الأماكن يلحق ضرراً بالبيئة المحيطة به، كذا من استقراء نصوص الشريعة نعلم أن الضرر ممنوع، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام، بل الأحاديث الواردة في النهي عن البول في الأجحرة هي في حقيقتها نهي عن إيقاع الضرر بالنفس، فلم تخرج هذه الأحاديث عن القواعد العامة الكلية في الكتاب والسنة.

 

3. عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه).

هذا الحديث يدخل ضمن نطاق الأخلاق الإسلامية التي تأمر بالتيامن في الطيبات والمباحات، وتنزيهها عن النجاسات والقذارات، إذ إن اليمين يأكل بها الإنسان ويتناول بها حاجاته، وتعريضها لمثل هذه الأمور بُعد عن مقتضيات الفطرة السليمة والخلق الإسلامي الرفيع، وهي من البدهيات الإسلامية التي تمارس وفق حركة الحياة المعتادة، فالله تبارك وتعالى يقول: (والله يحب المطهرين)، ومن تمام الطهارة وكمالها عدم تعريض اليمين للنجاسة والقذارة.

 

الفقه أولاً

هذه القواعد العامة الكلية تمثل الفقه السليم  للنصوص المتناثرة هنا وهناك في هذه المسألة، لذا فمجرد النظر في الأسانيد وكتب الرجال غير كاف لاستخلاص الأحكام في هذه القضية وغيرها، فالفقه المعتمد على منظومة القواعد والأحكام المستنبطة من خلال النظر في آيات الله في الوحي والكون ثم استبطانها في تفسير النصوص هو الذي يضبط الأحكام المأخوذة من النصوص المجتزئة، وكذا القضايا المستجدة.

 

ولتوضيح ذلك دعوني أضرب لكم بعض الأمثلة:

1. يذكر الكثير من الفقهاء النهي عن استقبال الريح، لكن قد يوجد بعض المتحمسين ممن يقول إن ذلك مما لم يثبت بالسنة شأنه شأن استقبال الشمس والقمر؛ ثم يأخذون في سرد من ضعفه!.

لكن القضية ليست في صحة الإسناد أو ضعفه –مع أهمية هذا الجانب بالطبع-، بقدر ما هو الفقه لهذه المسائل، فمن المعلوم أن استقبال الريح يؤدي إلى تطاير شرر البول إلى الثياب، وهو ما يؤدي إلى التأثير على الوضوء والصلاة معاً، فلا صلاة بغير طهور، وقاعدتنا الأساسية في ذلك هي (التطهر من النجاسة وإزالتها).

2. جاء في بعض الروايات عنه صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الملاعن الثلاثة، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) وأخرج آخرون عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري من حديث ابن عمر، والروايتان ضعفهما المشتغلون بعلوم الحديث (انظر بلوغ المرام ص 33 ط دار ابن حزم).

ولا غبار على هذا الحكم من الناحية النظرية المتعلقة بقضايا الإسناد، لكن للفقه نظر آخر يتعلق بالقواعد العامة الكلية لآداب قضاء الحاجة، فما يمكن أن يؤدي إلى إلحاق الضرر بالبيئة أو الإنسان يمنع، ومرجع ذلك للبحث الكوني في هذه القضايا.

فمثلاً: البول على ضفاف الأنهار ومصادر المياه عموماً يؤدي إلى تلويثها والتأثير على أحد مكونات الحيات المهمة (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس).

وكذا مسألة قضاء الحاجة تحت الأشجار: المثمرة وغير المثمرة تحتاج لمزيد من البحث الكوني للتحقق ما إذا كان ذلك يلحق الضرر بالأشجار أو لا؟، مع ملاحظة أن قضاء الحاجة في أماكن تجمع الناس وممارستهم لحياتهم هو من ممارسة الفساد في الأرض.

 

3. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء فقال: (إن الله يثني عليكم)، فقالوا: (إنا نتبع الحجارةَ الماءَ). وأهل الخبرة بالآثار يقولون إن هذه الرواية لم تصح، ويقولون إن الجمع بين الحجارة والماء لم يصح فيه حديث قط!.

والفقه في هذا لا يُعنى فقط بصحة الرواية إسناداً، لكن ينظر في القواعد العامة الكلية التي يأتي في مقدمتها إزالة النجاسة والتطهر منها قال الله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) (والله يحب المطهرين)، فما يمكن أن يؤدي إلى التطهر من هذه النجاسات قيل به دون الحاجة إلى رواية تصح أو لا تصح، لذا فالفقه الإباضي يقول بمشروعية الجمع بين الماء والمنظفات الجامدة: إما استحباباً كالمشارقة أو وجوباً كالمغاربة.

 

فقه معاصر

من خلال تتبعنا للأحاديث الواردة في قضاء الحاجة نجد أنها لا تخرج في تطبيقاتها عن إطارها الزمني وطبيعتها الجغرافية مع اشتمالها على القواعد العامة الكلية، فلا يماري عاقل أن استعمال الحجارة وقضاء الحاجة في الخلاء والنهي عن البول في الأجحرة هي مفردات فرضتها البيئة الجغرافية بوضعيتها الزمنية، لكن تستخلص منها القواعد العامة الكلية التي تمثل السقف المناسب للتطبيقات عبر الزمان والمكان.

 

وفي زماننا هذا انتقلت البشرية من قضاء الحاجة في الخلاء إلى دورات المياه، فلم تعد لتلك التطبيقات التي يذكرها الفقهاء في كتبهم حاجة إلا في أضيق النطاق.

والفلسفة المعاصرة في بناء هذه الدورات تقوم على أمور منها:

1.    إهمال الجانب الأخلاقي.

2.    السرعة.

 

فترى أن هذا النوع من دورات المياه يغشاها الرجال والنساء معاً!، وهي مفتوحة من عدة جوانب لا تكاد تستر من فيها، بحيث إن الموجود بالخارج يستطيع رؤية من بالداخل بانحناءة بسيطة!، وكذا الحال بالنسبة إلى المراحيض التي توضع في دورات المياه مكشوفة يبول فيها (رجل العصر السريع!) أمام الناس!.

 

فعلى هذا يجب أن تكون دورات المياه التي نتصورها بناء على القواعد العامة الكلية لآداب قضاء الحاجة:

1.    الستر عن أعين الناس.

2.    وجود المنظفات فيها، وأهمها الماء.

3.    تجنب إيقاع الضرر بالبيئة بإيجاد مواصفات مناسبة لشبكات الصرف الصحي المتصلة بهذه الدورات.

 

وعلى مرتاد هذه الدورات بناء على القواعد العامة الكلية:

1.    مراعاة الجانب الأخلاقي من الستر ونحوه.

2.    إزالة النجاسة بالمنظفات كالماء.

3.    عدم الاشتغال بشئ أثناء قضاء الحاجة لئلا تصل النجاسة إلى ثيابه.

 

ويشترط في المنظف المستعمل بناء على هذه القواعد:

1.    الطهارة.

2.    القدرة على إزالة النجاسة.

3.    أن لا يكون مضراً.

 الاجتهاد في (قضاء الحاجة):

هل بالإمكان الاجتهاد في قضايا (آداب قضاء الحاجة)؟، الناس في ذلك متباينون:

- البعض قد يضيع السنوات في هذه القضايا من خلال منهج تجزيئي يفوت عليه فرصة الرؤية التكاملية، وهذا مسلك غير محمود.

- وآخرون فرطوا في كل شيء ورفضوا الولوج فيما يسمونه (بفقه دورات المياه)!.

- والوسط هو الدراسة المنهجية القائمة على إيجاد القواعد العامة الكلية من مجموع النصوص في الكتاب والسنة في هذا الباب واستبطانها في دراسة القضايا المتجددة بفعل حركة الحياة.

  
 
 

 

Google

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تقتضي ذكر المصدر عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع