مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة
 

 

 

مقالات الاستاذ خالد الوهيبي

 

الجرح والتعديل -2

 

تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض من المراجعات لمنهج الجرح والتعديل (=الإسناد) الذي اعتمد قواماً للحكم على الرواية الحديثية وبناء منهج التفكير عليه، وسنقدم في هذه الحلقة إن شاء الله تعالى محاولة منا في استخراج بعض من معالم منهج التعامل الكلي مع الرواية الذي برز بقوة لدى عموم فقهاء المدونة (=المدرسة الجابرية).

قواعد عامة

(1)
لا بد أن تكون الرواية عن الثقات الأثبات العدول العارفين بحقائق ما يروون.

وهذه قواعد متفق عليها من حيث الإجمال، لكننا نرى أن منهج الجرج والتعديل أغفل بدرجة كبيرة قاعدة فقه الراوي، فاستجاز الرواية عن مئات بل آلاف الرواة من العامة وأشباههم، معتمداً في ذلك على العدالة فحسب؛ مما تسبب في تسريب الكثير من الأوهام والأخطاء في الروايات.

ونحن نجد أن مسند الإمام الربيع بن حبيب والمدونة وآثار الربيع وغيرها من المصنفات قد بنيت على رواية الفقهاء العارفين بما يروون، وهؤلاء الفقهاء الثقات العارفون بالروايات ومواضعها في منظومة الحياة نصوا بأنفسهم على أن الخطأ يعتريهم في الرواية، قال الإمام أبو عبيدة مسلم في رسالته عن الزكاة التي وجهها إلى أتباعه بالمغرب (فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ في رواية أو خبر أو غير ذلك فمن نفسي، استغفر الله من جميع ما ليس هو له رضى)[1] فكيف الحال بمن هم دونهم؟!.

وروى الإمام الربيع (167): أبو عبيدة بن جابر بن زيد قال: (يُروَى عن عبدالله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النبي صلى الله عليه وسلم له أن يتوضأ بالنبيذ؛ قد سمعت جملة من الصحابة يقولون ما حضر ابن مسعود تلك الليلة والذي رُفِعَ عنه كذب، والله أعلم بالغيب) في هذه الرواية يتضح جانب النظر في إسناد الرواية ونقلتها والقرائن المحيطة بها، والعناية والاهتمام بهذا الجانب.

وتبرز هنا مسألة هامة وهي الرواية عن غير المنتمين للمدرسة الفقهية المتجانسة، لا سيما بعد أن افترق المسلمون إلى فئات سياسية متعادية وظهرت مقالات لدى بعضها لم تقبل لدى البعض الآخر والعكس بالعكس، ومن خلال سبر نصوص فقهاء المدرسة الجابرية يتضح أن لديهم تحفظاً من الرواية بإطلاق عن الآخرين، تجد ذلك في من خلال تآليفهم الفقهية والحديثية، وفي ثنايا عباراتهم، ومن ذلك:

-
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.

قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.

قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.

قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة)[2].

وقال الإمام جابر (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم)[3].

والحقيقة أنه ليس هناك تحفظ بمعناه النفسي، لكنه عبارة عن جانب موضوعي علمي في قبول الرواية للأسباب التالية:

-
عدم التورع عن الكذب والدس في الرواية، وهذا قد ظهر مبكراً في تاريخ الرواية، ففي مقدمة صحيح مسلم (جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)[4].

-
تأثير الصراعات السياسية والعقائد المذهبية على رواية الأحاديث، فقد تحول الانقسام السياسي الأول إلى مجال خصب للدس والكذب في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم[5]، وزاد الطين بلة أن ركب هذه الموجة أناس دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً من عقائدهم ومورثاتهم السابقة والتي جاء الإسلام لاجتثاثها من جذورها، فحصل خلط كبير، ودخلت المسلمين على حين غفلة منهم كثير من الروايات الباطلة، فكان لا بد من الحذر والحيطة في أخذ الحديث وتلقيه.

فالرواد الأولون للمدرسة الجابرية لم يمارسوا هذه الصرامة في قبول الأحاديث لأجل الخلاف السياسي، بل لأجل ما جره هذا الخلاف السياسي من تبعات في القول والعمل، ويؤيد هذه الحيطة ما ورد في كتاب الله تعالى (يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) فبين تعالى في هذه الآية أن التعلق بأماني الغفران مؤد بدوره إلى التكالب على الحطام الفاني وتضييع معاني الخوف من الله تعالى، وقال تعالى أيضاً: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) ثم بين تعالى سبب هذا الإعراض عن حكمه ومنهجه (بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات)، فتضييع العمل أو التهوين من قيمته من شأنه أن يلقي بظلاله الكئيبة على تلقي الرواية وأدائها، ولعل هذا يفسر تكالب آلاف الكذابين والدجالين لاختلاق الروايات ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وللأسف الشديد أن يكون بين هؤلاء بعض ممن حملوا أمانة العلم.

وهذا كما قلنا لا يعني بالضرورة أنهم تركوا مرويات من عداهم، فأبو المؤرج يقول لتلميذه أبي غانم: (قومك يقولون حقاً كثيراً، لم يخالفهم المسلمون فيما أصابوا فيه، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطأوا فيه وكذبوا)[6]، فأبو المؤرج يؤكد على أن عند الآخرين الكثير من الخير الذي لا ينبغي إهماله والإعراض عنه، لكنه يؤخذ بما ينسجم مع القواعد الكلية والأصول التشريعية، ولعل هذا المثال يوضح الفكرة بشكل جيد، حيث سأل أبو غانم أبا المؤرج فقال: (أبلغك عن عبدالله بن مسعود أنه قال لشيخ أتاه قد ذكر له أنه تزوج جارية شابة فأشفق أن تبغضه فأتى عبدالله بن مسعود. فقال: إني شيخ كبير فتزوجت فتاة، وأخاف العزل.

فقال له عبدالله بن مسعود: إن الألفة من الله والفرك من الشيطان، فإذا دخلت بإمرأتك فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تطهر وتقوم إلى المسجد وامر امرأتك أن تقوم خلفك ثم تصي ركعتين، ولتصليهما معاً، فإذا صليت ركعتين فاجلس وتشهد ثم تحمد الله تعالى وتصلي على سيدنا محمد عليه السلام، وتثني على ربك ثم تقول ثم تقول "اللهم بارك لي في أهلي وبارك لها فيَّ، وارزقها مني وارزقني منها، واجمع بيننا ما جمعتنا على خير، وإذا فرقت بيننا فاجعل فرقتنا على خير".

قال: ففعل الرجل ما أمره به ابن مسعود فعطف عليه امرأته ورزق ودها، ولم ير شيئاً مما كان يتخوف منه.

قال أبو المؤرج: لم تبلغني هذه الرواية ولم نسمعها قبل يومي هذا، ولست استنكر من هذا الحديث شيئاً والله أعلم)[7].

وكذلك فإنهم رووا عمن كان مقارباً لهم في توجهاته الفكرية[8] (=يثقون في أدائه للرواية) كالحسن البصري الصديق الحميم للإمام جابر[9]، وإبراهيم النخعي الذي يشيد بفقهه عبدالله بن عبدالعزيز ويفضل آراءه أحياناً على آراء أبي عبيدة[10]، وسعيد بن جبير[11] الذي يجعل أبو المؤرج من بعض آرائه مقدمة على آراء بعض الصحابة الكبار كعلي بن أبي طالب حين قال: (ليس فيما قال علي في هذا شيء، والأمر عندنا على ما وصفت لك عن النبي عليه الصلاة والسلام وابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير)[12].

في المقابل رووا عن بعض الذين خاضوا في الفتن والصراعات وكانت لهم فيها مواقف غير محمودة كمروان بن الحكم ومعاوية بن أبي سفيان، وهذه الروايات كما في مسند الربيع:

أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاوية بن أبي سفيان قال وهو على المنبر: (أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معط لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد به خيرا يفقهه في الدين) ثم قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات على هذه الأعواد يعني المنبر[13].

أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاوية بن أبي سفيان حين قدم من مكة ورقي المنبر فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم يوم عاشوراء (لم يكتب الله عليكم صومه وأنا صائمه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر ولكن في صيامه ثواب عظيم وأجر كريم)[14].

أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاوية بن أبي سفيان قال وهو على المنبر عام حج، فتناول قصة من شعر في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذت مثل هذه نساؤهم)[15].

أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عروة بن الزبير قال: دخلت على مروان بن الحكم، قال: فتذاكرنا ما كان من نقض الوضوء، قال: قال مروان: من مس ذكره فليتوضأ. قال: قلت له: ما أعلم ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ).[16]

ولو جئنا نقرأ هذه الروايات لوجدنا أنها لا تخرج عن إطارين اثنين:

·
أنهم كانوا يروون هذه الأحاديث بمحضر من الصحابة الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وخبروا سنته وحديثه، فلو وقع منهم تلاعب لأنكروا عليهم ذلك، وهذا هو المعهود عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فعن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ) لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: "يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟!". فلما صلى بعد ذلك قرأ (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ) للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهوي ساجداً[17].

·
أن ما يروونه لم ينفردوا به عن غيرهم، فحديث صوم يوم عاشوراء رواه أيضاً ابن عباس والسيدة عائشة[18]، وحديث نقض الصوم من مس الذكر رواه أيضاً ابن عباس[19].

وتحت هذا البند تندرج بنود ومحددات منها:

1.
لا بد للرواية من أصل من الكتاب أو السنة.

أ- جاء في الديوان المعروض في سؤال أبي غانم لأبي المؤرج: (قلت: إن أناساً من قومنا يروون عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أفطر الحاجم والمحجوم؟

قال: ليس فيما قال علي في هذا شيء، والأمر عندنا على ما وصفت لك عن النبي عليه الصلاة والسلام وابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير، لأن السنة في الصيام إنما نهوا عن الطعام والشراب وغشيان النساء، والحجامة ليس بشيء من ذلك، إنما يمنع منها مخافة الضعف، فإن احتجم فقد تم صومه بهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا).

فالسؤال كان عن حديث أفطر الحاجم والمحجوم[20]، فكان الجواب عدم اعتبار الحجامة من جملة المفطرات؛ (لأن السنة في الصيام إنما نهوا عن الطعام والشراب وغشيان النساء، والحجامة ليس بشيء من ذلك، إنما يمنع منها مخافة الضعف، فإن احتجم فقد تم صومه بهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا).

والسنة التي عناها أبو المؤرج هي جملة المعاني الثاوية في مجموع النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، والتي تستخلص من خلال النظر، وإنما عبر عنها بالسنة لأنها مما مورس عملياً وكانت سنة للحياة.

ب- سئل الربيع بن حبيب عن لحوم الحمر الأهلية (قال: كان جابر لا يرى بلحومها وألبانها بأساً، وقال إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر أن يشرعوا في كراعهم ولم يحرم لحومها)[21]، وعن الربيع أيضاً قال: (ونهى رسول الله عليه السلام عن لحوم الحمر الأهلية وعن كل ذي ناب من السباع، وأما الحمر الأهلية فبلغنا أنها كانت حمولتهم يومئذ؛ فخافوا أن يأكلوها ولا تبقى معهم حمولة، وكان أبو عبيدة رحمه الله يتأول هذه الآية "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير" )[22].

وهذا الموقف من جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع في هذه المسألة يدل على أنهم (لم يقبلوا الحديث المرفوع إلى رسول الله على عواهنه؛ لأن صحابياً رواه، بل نظروا إلى الرواية من خلال الرؤية القرآنية التي اكتسبوها من استبطان معاني كتاب الله الكريم، وعرضوها على نسق المبادئ والمقاصد التي تشكل ثوابت هذه الرؤية، ولم يترددوا في رد الحديث أو تأويله عند تعارضه مع المبادئ القرآنية الثابتة)[23].

ومما يظهر من كلام أبي عبيدة مسلم أن المحرمات المطعومة بأعيانها وردت في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به)، فأصول المحرمات المطعومة محصورة في هذه الآية الكريمة، فتحريم الخمر مثلاً لأنها (رجس من عمل الشيطان) والرجس محرم بنص هذه الآية، والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع من أصناف الميتة، والميتة محرمة بنص هذه الآية، فلم يخرج شيء من المحرمات المطعومة الأخرى التي ذكرها الكتاب العزيز عن دلالات هذه الآية، وما لم يذكر في الآية فهو محكوم بقول الله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)، فعندما يأتي الحديث ينبغي أن يحمل على هذه الكليات فرأى أن منع أكل الحمر الأهلية يوم خيبر كان لأجل أنها كانت حمولتهم، واستدل بالآية الكريمة[24].

2.
لا بد من حياطة الرواية وفهمها في ضوء القواعد الكلية والأصول التشريعية لاكتشاف أي خلل فيها (=العلة) وتحديد موقعها في البناء التشريعي.

جاء في الديوان المعروض: (قلت: إن قومنا وبعضهم يقولون ويروون عن علي أنه قال: لا يقضي رمضان في العشرة؟.

قال: أساءوا الرواية، ولقد كان علي لعمري يقول ذلك على غير ما قالوا، إنما قال علي ذلك لئلا يؤخروا رمضان إلى العشرة، كذلك حدث عنه الحسن وإنما دعاه إلى ذلك لئلا يؤخر رمضان إلى العشرة، فهم يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها، والسنة أن رمضان فرض من الله، والعشرة صيامها تطوعاً فلا ينبغي لأحد أن يدع الفرض ويتطوع، وليس صوم العشرة حتماً، ولكن أيام الصوم فيها متضاعف، وأن العمل فيها مضعف إن شاء الله.

فهذا كله قولنا فبه نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا)[25].

فأبو المؤرج ينتقد من (يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها)، فما روي عن علي بن أبي طالب من أنه لا يقضى رمضان في العشرة لا يصح، لأن (السنة أن رمضان فرض من الله، والعشرة صيامها تطوعاً فلا ينبغي لأحد أن يدع الفرض ويتطوع، وليس صوم العشرة حتماً).

3.
لا بد من تمييز الأحاديث والروايات التي جرى عليها العمل من غيرها، فـ(الصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك)[26]، فالظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها مؤذن بضرورة الفحص والتمحيص الدقيق والعرض على الأصول، (فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها وثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب)[27]، إذ قد تكون من جملة ما نسخ فترك، أو هي من جملة الدس المتأخر الذي يراد به التشويش على الأصول الثابتة، أو هي من جملة التسريبات من الثقافات الأخرى، أو هي نتاج أي عارض من العوارض الإنسانية الأخرى كالخطأ والوهم والنسيان والرواية بالمعنى.

قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.

قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.

قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.

قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة)[28].

و(قال أبو الأشهب جعفر بن حيان: سألت جابر بن زيد عن القنوت. قال: الصلاة كلها قنوت، وأما الذي يصنعون فما أدري ما هو)[29].

فقول الإمام جابر "لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة" وقوله "وأما الذي يصنعون فما أدري ما هو" يعبر بصراحة عن ظاهرة الظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها، وفي مخطوطة "من قول قتادة" من الديوان المعروض لما سئل أحد تلاميذ الإمام الربيع بن حبيب عن (قول أبي معشر النخعي أربعة يخفيهن الإمام: بسم الله الرحمن الرحيم، والاستعاذة، وآمين عند خاتمة فاتحة الكتاب، وربنا ولك الحمد عند رفع رأسه من الركوع.

قال: يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأما آمين فلا نعرفه، وإن جهر باسم ربنا ولك الحمد حتى يسمع من على يمينه فلا بأس)[30]، في هذا النص يقول أحد تلاميذ الربيع إن "آمين" عند خاتمة الفاتحة لا يعرفها من أين جاءت!!.

وليس ذلك ببدع من الأمر، فحتى بعض علماء المحدثين كان يبني آراءه الفقهية على ذلك، فمالك بن أنس عالم المدينة وإمام المذهب المالكي يقول (في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ قال: لا أعرف ذلك في الفريضة)[31] فكان يكرهه، فقوله (لا أعرفه) أي لم يكن عليه العمل المستقر المنقول جيلاً بعد جيل.

وهذا بالضبط ما يمثل نوعاً من المفارقة الجوهرية بين طرق المحدثين في التعامل مع الرواية وطرق المدرسة الجابرية، فالنظرية التي تقوم عليها مدرسة أهل الحديث في عمومها تنادي بأنه (لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد)[32]، و(إذا صح الحديث فهو مذهبي)[33]، في حين أن عموم الاستقراء للنصوص عن المدرسة الجابرية تؤكد على أنهم كانوا يتحفظون بشدة على الروايات المتأخرة الظهور والتي لم يقم عليها عمل.

ورغم قوة هذه النظريات التي قام عليها الفقه الإباضي القديم؛ صرنا في العهود المتأخرة نستورد دون وعي وبنيات حسنة في الغالب كثيراً من الأحاديث والروايات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن ينادي بخلاف ذلك يدمغ بتهمة "إنكار السنة"، ومرد ذلك في نظري إلى:

-
قلة التآليف أو انعدامها في مناهج الأصول والحديث وغيرها التي تعتمد على أسس الحقل المعرفي للمدرسة الإباضية.

-
الضغط السياسي الذي جعل من المدرسة الإباضية في مقابل السلطة السياسية (=أمويين، عباسيين، بويهيين، سلاجقة، أغالبة، فاطميين.....الخ) باستمرار، وهذا ولد من جانبه شعوراً بالضغط الفكري من الأقوى على الأضعف، وهذا بدوره جعل النظريات المتولدة في المحيط السياسي السلطوي تنساح على المنطقة الإباضية وتشكل حضوراً متعاظماً فيها.

4.
صحة السند والمتن لا تعني بالضرورة حيزاً واسعاً في البناء التشريعي:

فإن الرواية قد تصح سنداً ومتناً لكن قد تلزم حيزاً تشريعياً محدوداً تفرضه الأصول الكلية والقواعد التشريعية الثاوية في نصوص الكتاب والسنة، وبعبارة أخرى فإن صحة الرواية غير فقه الرواية، وأفضل الأمثلة على ذلك ما رووه بأنفسهم ثم بينوا كيف يتم التعامل معه بالشكل المطلوب.

أ- روى الإمام الربيع (89): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله.

يرى الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أن التسمية مندوبة وليست فرضاً مع مجئ الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).

ومرد هذا الرأي فيما يظهر أنه نظر إلى:

أن فرائض الوضوء وأركانه الأساسية ثابتة بالكتاب العزيز (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين )، (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق)[34] ومسح الأذنين من خلال الممارسة العملية، قال أبو غانم الخراساني (حدثني الربيع: أنه سأل أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن الوضوء للصلاة، قال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تستنجي، ثم تمضمض فاك، ثم تستنشق بالماء، وتغسل وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وتمسح برأسك وأذنيك ظاهرهما وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين)[35].

ب- روى الإمام الربيع (155): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات أولاهن وأخراهن بالتراب) قال الربيع: قال ضمام بن السائب: يكفي من ذلك ثلاث مرات.

وعند الربيع (156): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات) قال جابر: وفي الثلاث كفاية إن شاء الله.

وقال أبو غانم في المدونة: (قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة: "أو لامستم النساء" يعني أو جامعتم النساء.

وسألته: أيتوضأ الرجل من الإناء الذي ولغ فيه الكلب أو السبع؟.

قال: ليغسله، ثم ليتوضأ فيه، ولا يتوضأ فيه حتى يغسله.

قلت: أتوقت في غسله ثلاثاً أو سبعاً كما قال هؤلاء؟.

قال: لا أوقت في ذلك وقتاً دون حسن التنقي والغسل، فإن أنقاه في مرة واحدة فليتوضأ فيه)[36].

هذا الحديث يدل على أن ولوغ الكلب في الإناء يوجب غسله سبع مرات بعضها بالتراب، لكن لماذا اكتفى بعض الفقهاء كجابر بن زيد وضمام بن السائب بثلاث مرات، وبعضهم كأبي المؤرج قالوا إن حسن التنقي والغسل هو المطلوب ولو بمرة واحدة؟.

عالم كابن عبدالبر رفض هذه الأقوال بحجة أنه قد (ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ما يرد قول هؤلاء، فلا وجه للاشتغال به)[37]. لكن هل بالفعل كان كل هؤلاء العلماء على غفلة عن هذه الرواية وهم الذين رووها؟ أم أن هناك نظراً آخر في المسألة؟.

الظاهر من قراءة النصوص الواردة في التطهر من النجاسات أنها جميعاً تهدف إلى تحقيق الطهارة الحسية والمعنوية للفرد والبيئة من حوله

قال الله تعالى: (والله يحب المطهرين).

وقال تعالى: (وثيابك فطهر).

وقال تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).

وسخر الله سبحانه وتعالى للناس أشياء تنقيهم من النجاسات والأحداث قال الله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً).

وتشريعات الإسلام الثابتة المستقرة من الأمر بالغسل من الجنابة والحيض والنفاس والوضوء للصلاة وغسل النجاسات من البدن والثياب والمرافق المختلفة والاستنجاء بالماء والمنظفات؛ كلها تعطينا دلالة قطعية في أن إزالة النجاسة والتطهر منها أمر لا بد منه بأي من الوسائل المعتبرة المؤدية للغرض، وهذا يعني أن الوسائل والطرائق مقصودة لأجل تحقيق هذه الغاية؛ لا أنها مقصودة لذاتها، لذا رأى هؤلاء النفر من العلماء أنه (ليس من شرط غسل النجاسة العدد)[38].


--------------------------------------------------------------------------------

[1] الديوان المعروض (رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة ص2).

[2]
المدونة الصغرى ج1 ص 67، بشر بن غانم الخراساني.

[3]
الربيع (125).

[4]
مقدمة صحيح مسلم (1/13).

[5]
انظر "السلطة في الإسلام" ص 233-348، عبدالجواد ياسين.

[6]
المدونة الصغرى ج1 ص38، بشر بن غانم.

[7]
المرجع السابق ج2 ص 223- 224.

[8]
هذا الرأي للشيخ أحمد بن سعود السيابي في محاضرة له بولاية بَهلا عام 1425هـ/2003م .

[9]
انظر كتاب الترتيب، آثار الربيع بن حبيب في الحجة على مخالفيه (53). و"الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 46".

[10]
المدونة الصغرى ج1 ص 347 ـ 348.

[11]
الديوان المعروض، كتاب الصيام ص 42.

[12]
المرجع السابق ص 46.

[13]
الربيع (27).

[14]
الربيع (313).

[15]
الربيع (747).

[16]
الربيع (118).

[17]
المستدرك للحاكم (851)، السنن الصغرى للنسائي (398)، سنن الدارقطني (33).

[18]
الربيع (311)، (312).

[19]
الربيع (116).

[20]
ابن حبان (3532)، الترمذي (774)، أبو داود (2366).

[21]
الديوان المعروض (من قول قتادة ج3 ص29).

[22]
المرجع السابق (من قول قتادة ج4 ص5).

[23]
إعمال العقل ص 128ـ 129، لؤي صافي.

[24]
ينبغي أن ننبه على أن مثل هذه القضايا قد تختلف فيها آراء الناس، بحسب أنظارهم ومناهجهم في الاستنباط، وهو مما تتسع له دائرة الاختلاف الإنساني في دائرة الدين.

[25]
الديوان المعروض (كتاب الصيام ص 47). السائل هو أبو غانم الخراساني كما يظهر، والديوان المعروض على علماء الإباضية (يظن أنه من تأليف أبي غانم مؤلف المدونة، لأن الكثير من الأعمال الواردة في هذه المخطوطة الكبيرة منقول عن مصادر المدونة نفسها) انظر دراسات في الإباضية ص 137 عمرو النامي، و(كتاب الصيام يبدأ بروايات أبي المؤرج عن شيخه أبي عبيدة على شكل أسئلة وأجوبة، وبعد العنوان التالي "باب اختلاف العلماء في الصيام" ترد آراء مختلف العلماء حول الموضوع، منوهة بالآراء التي يعتمدها الأئمة الإباضيون، لا سيما أبو عبيدة)، انظر دراسات في الإباضية ص 138.

[26]
كتاب الجامع ج1 ص 547.

[27]
كتاب الجامع ج1 ص 280، عبدالله بن محمد بن بركة.

[28]
المدونة الصغرى ج1 ص 67، بشر بن غانم الخراساني.

[29]
آثار الربيع ج1 ص 61.

[30]
الديوان المعروض (من قول قتادة ج1 ص 17).

[31]
المدونة الكبرى ج1 ص 74، مالك بن أنس (برواية سحنون بن سعيد عن عبدالرحمن بن القاسم عن مالك)

[32]
سير أعلام النبلاء ج9 ص 188، الذهبي.

[33]
المرجع السابق ج10 ص 25.

[34]
أصول الدينونة الصافية ص 92، عمروس بن فتح.

[35]
المدونة الصغرى ج1 ص 13، بشر بن غانم الخراساني.

[36]
المرجع السابق ج1 ص 17.

[37]
التمهيد ج18 ص269 ، يوسف بن عبدالله بن عبدالبر.

[38]
كتاب الإيضاح ج1ص 81، عامر بن علي الشماخي. وقال محمد بن جعفر الإزكوي في "الجامع" ج1 ص 274:(وقد اختلف الناس في تطهير الإناء من ولوغ الكلب،فقال بعضهم سبع، وقال قوم بخمس، وقال قوم بثلاث، وقال قوم يغسل كما يغسل غيره).

 
 
 

 

Google

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تقتضي ذكر المصدر عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع