مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

الخصائص البارزة في الفقه الإباضي

فصل من كتاب " دراسات إباضية"

د. عمرو خليفة النامي 

ونقدم في الصفحات التالية عرضا موجزا لعدد من الخصائص البارزة في الفقه الإباضي لكي نمثل لطبيعة الخلاف ومداه .

1- المسح على الخفين كجزء من الوضوء :

أ- المسح على الخفين ( بدلا من غسل القدمين كجزء من الوضوء ) . هذه المسألة ناقشها شاخت بتفصيل كنقطة خلاف مميزة بين الشيعة الذين يرفضونها والسنة الذين أجازوها ( 1 ) .

رفض الإباضيون بالإجماع المسح على الخفين . وقد قال جابر بن زيد بالنسبة لهذه القضية : (( كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء )) . وفي رأي المراجع الإباضية أن الحديث الذي يتعلق بالمسح على الخفين أبطل بآية الوضوء في سورة المائدة : ( يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ( 2 ) . وبين الصحابة الذين يروي الإباضيون عنهم أنهم رووا الحديث الذي يقر بصحة المسح لكنهم قالوا أبطل ، علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس و بلال ، وأبو هريرة ، وعائشة ( 3 ) . ويقال أيضا أن سعيد بن جبير الذي قال للحجاج بأن يعتمد المسح تخلى عن رأيه وزعم أنه قال ذلك لخوفه من الحجاج ( 4 ) .

ومن ناحية أخرى روى الإباضيون عددا من الآثار ترفض المسح على الخفين .

1- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس : (( ما رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مسح على خفه قط )) ( 5 ) .

2- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت : (( ما رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مسح على خفه قط ، وإني وددت أن يقطع الرجل رجليه من الكعبين أو يقطع الخفين من أن يمسح عليهما )) ( 6 ) .

3- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت : (( لأن أحمل السكين على قدمي أحب إلي من أن أمسح على الخفين )) ( 7 ) .

4- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال : (( أدركت جماعة من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسألتهم هل يمسح رسول الله عليه السلام ، على خفيه ، فقالوا : لا ؛ قال جابر : كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتبه بنفس الوضوء ؛ والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم ؟ )) ( 8 ) .


ورأي الإباضيون بخصوص مسألة المسح على الخفين ، مختلف كل الاختلاف عن رأي السنة الذين أجازوا المسح ، أثناء السفر عند البعض ، وأثناء الإقامة والسفر عند البعض الآخر . وقد تبنى المذهب الشيعي ... رأي الإباضيين حول هذه المسألة . ( 9 ) .

نقاط الاختلاف الرئيسة حول هذا الموضوع ثلاث :

1- تتعلق النقطة الأولى بقراءة القرآن في صلاة الظهر والعصر . وفي فقه الإباضية أن سورة (( الفاتحة )) هي التي يجب أن تقرأ في الركعتين الأوليين معا ، وفي الركعتين التاليتين ، وهو رأي يعزى إلى جابر بن زيد ( 10 ) . وهذا الموقف مدعوم بحقيقة أنه في جميع الركعات السرية من الصلوات الأخرى كالركعة الثالثة من صلاة المغرب ، وفي الركعتين التاليتين من صلاة العشاء ، لا تقرأ غير سورة الفاتحة فقط ، وأن كل صلاة أو ركعة من صلاة لا تقرأ فيه غير سورة الفاتحة تقرأ بصمت سواء كانت الصلاة في الليل أو في النهار ؛ أما في صلاة الجمعة والعيد فإن القراءة فيهما ، برغم أنها في النهار ، يجب أن تكون جهرية بسبب قراءة السور الأخرى فيها إلى جانب الفاتحة . وبما أن صلوات العصر والظهر سرية فإن الأصول ذاتها هي التي يجب أن تطبق . وهكذا فقد اتبع الإباضيون رأي الذين رفضوا قراءة السورة إلى جانب الفاتحة في صلوات الظهر والعصر ( 11 ) .

2- ونقطة الخلاف الثانية هي القنوت ( أي لعن الخصوم السياسيين أثناء الصلوات ) ( 12 ) . وتقر مذاهب السنة والشيعة بصحة ذلك . أما الإباضيون فإنهم يرفضون القنوت ويرون أن الصلاة مع الأئمة الذين يمارسون القنوت لا تصح وأن تلك الصلاة ينبغي لها أن تعاد ( 13 ) . ويروي عن عمرو بن هرم أنه قال : (( سئل جابر بن زيد عن القنوت في صلاة الفجر والوتر فقال : إنها بدعة ابتدعها الناس ، إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقنت قط في صلاته ولا الخليفتين بعده ( 14 ) .

3- ونقطة الخلاف الثالثة هي بشأن صلاة السفر . هنالك عدد من النقاط التي يختلف فيها الإباضيون عن بعض مذاهب السنة أو عن كلها .

أ- يعتبر قصر الصلاة أثناء السفر فرضا من قبل الإباضية ، وعتمدا الكوفيون والحنفية هذه النظرة نفسها ، وعد المالكية القصر في السفر سنة . على أن هنالك رأيين آخرين حول هذه المسألة : الأول هو أن القصر رخصة ، والمفضل أن تكون الصلاة كاملة تامة . والثاني هو أن القصر الصلاة في السفر مسألة اختيارية . وكل الصلاة نظر مما ذكر أعلاه مبنية على أحاديث منسوبة إلى الرسول عليه السلام ( 15 ) .

ب- المسافة التي يبدأ بها تنفيذ القصر . قال الإباضيون وبعض الكوفيين والظاهرية بأنها فرسخان ، أي نحو ستة أميال . ويستند هذا الرأي إلى حديث يرويه أنس بن مالك عن الرسول ؛ ثم إن الصحابيين علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس قالا بهذا الرأي أيضا . أما مالك والشافعي وأهل المدينة فقالوا إن المسافة ينبغي أن لا تنقص عن أربع رحلات ، أي ما يعادل مسيرة يوم ، ف يحين أن بعض الكوفيين وأبا حنيفة قالوا بأن السفر ينبغي أن لا يقل عن ثلاثة أيام ، ونسبوا رأيهم هذا إلى ابن مسعود ( 16 ) .

ج- الوقت الذي بعده ينبغي (( للمسافر )) أن يصلي الصلاة التامة .


في رأي الإباضيون أن (( المسافر )) ينبغي أن يواصل قصر صلاته حتى ولو بقي إلى الأبد في المكان الذي سافر إليه ، ما لم يتخذه وطنا له ، أو ما لم يملك – كما قال ا[و عبيدة مسلم بن أبي كريمة – منزلا له فيه . غير أن المالكية والشافعية ارتأوا أن على (( المسافر )) أن يكمل صلاته إذا قرر المقام أربعة أيام أو أكثر ؛ أما أبو حنيفة وسفيان الثوري فقالا إنه عليه أن يكمل صلاته إذا قرر البقاء مدة خمسة عشرة يوما . وحكم الإباضيين مبني على ممارسة عدد من الصحابة ، كابن عمر الذي يروي عنه أنه بقي في أذربيجان ستة أشهر ، أو بناء على رواية أخرى ، سبعة عشر شهرا ، وهو يقصر في صلاته . ويروي أيضا عن إبراهيم النخعي أن علقمة بن قيس ، صاحب ابن مسعود ، بقي في خوارزم سنتين وهو يقصر في صلاته ، وأن الصحابي سعد بن أبي وقاص وعددا من صحابة الرسول بقوا في القادسية مدة طويلة وهم يقصرون . وفي رأي الجيطالي أن الفرق في هذه القضية يعود إلى أن الرسول لم يحدد وقتا معينا لذلك ( 17 ) .

3- الصوم :

نقطة الخلاف الرئيسة حول هذا الموضوع تتعلق بغسل الجنابة بالنسبة للصوم . يرى الإباضية أن التطهر من الجنابة ضروري للصوم كما هو ضروري للصلاة . وموفقهم هذا مبني على أحاديث تروى عن أبي هريرة والفضل بن عباس معا بأن النبي قال : (( من أصبح جنبنا أصبح مفطرا )) ( 18 ) . ويقول الإباضيون إن أسلافهم في هذا الموقف هم أبو هريرة ، وطاووس ، وعروة بن الزبير ، وإبراهيم النخعي . أما المذاهب الإسلامية الأخرى كلها فقالت إن الغسل من الجنابة ليس ضروريا في حالة الصوم وإن إهمال ذلك حتى الصباح ولا يضر بالصوم . وموقفهم هذا مبني على أحاديث تروى عن عائشة وأم سلمة ، وهي أن الرسول استيقظ في الصباح جنبنا من جماع غير احتلام في رمضان ثم صام ( 19 ) . وبناء على ذلك فإنهم قالوا بأن إهمال الغسل من الجنابة خلال رمضان حتى صلاة الظهر لا يؤثر في الصوم ، إذ إنه ضروري للصلاة فقط لا للصوم .
ويقول الإباضية ، دعما لوجهة نظرهم ، إن أقوال الرسول تنقض أعماله . وبالنسبة للأحاديث المنقولة عن عائشة وأم سلمة بخصوص عمله في هذه الحالة فلعل ذلك كان عملا خاصا بالرسول ، أو لعله قد نسي ، أو كان نائما . غير أن الأحاديث المروية عنه عن طريق أبي هريرة والفضل بن عباس ، تشير إلى قرار واضح ، ولا تترك مجالا لأي تكهن ( 20 ) .

والنقطة الأخرى التي تميز المذهب الإباضي في قضية الصوم هي تأثير الذنوب المعنوية على الصوم . ورأيهم أن جميع الذنوب الكبيرة تبطل الصوم . وهذه النظرة معتمدة على القياس بناء على حديث الرسول بأن الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء ( 21 ) . وبناء على ذلك ، إن رواية الكذب ، والنميمة ، والحنث باليمين والذنوب المماثلة تبطل الصوم ( 22 ) .

وهنا يمكن أن نضيف نقطة أخرى في الفرق بين الإباضية والمذاهب الإسلامية الأخرى ؛ وهي تتعلق بقضاء الأيام التي لم يصمها المرء في رمضان السابق . وقد قال الإباضيون إنه لابد من قضاء الصوم بصورة متوالية أياما بدلا عن الأيام التي لم تصم خلال رمضان ؛ ولكن المذاهب الإسلامية الأخرى قالت إن التتابع ليس ضروريا في مثل هذه الحالة ؛ على المرء أن يصوم العدد المطلوب من الأيام بصرف النظر عن تتابعها أو عدمه ( 23 ) .

4- الزكاة :

بالنسبة للزكاة هنالك نقطتان :

1- اعتبر الإباضيون الغنم كالإبل . فحد النصاب الأدنى للزكاة هو نفسه للغنم والإبل ( 24) . في خمس بقرات ، شاة واحدة ؛ في عشر ، شاتان في خمس عشرة ، ثلاث شياه ؛ في عشرين ، أربع شياه ؛ في خمس وعشرين ، بقرة عمرها سنة واحدة . في ست وثلاثين ، بقرة عمرها سنتان ( ثنية ) ؛ في ست وأربعين ، بقرة واحدة عمرها خمس سنوات ( رباعية ) في إحدى وستين ، بقرة واحدة عمرها ست سنوات الخ ... وبالنسبة لمذاهب السنة ، فقد رأت أن النصاب الأدنى للماشية هو : في ثلاثين بقرة ، عجل عمره سنة واحدة ؛ وفي أربعين ، بقرة عمرها سنتان الخ .... وهذا الرأي الأخير مبني على عدد من أحاديث تروى عن الرسول تتعلق بالحد الأدنى من النصاب للماشية ( 25 ) . وسأل أبو غانم أبا المؤرخ عن حديث لمعاذ ترويه مراجع السنة دعما لوجهة نظرها .وكان جوابه : (( الأثر عند فقهائنا الذين نأخذ عنهم ونعتمد عليهم أن السنة في زكاة البقر كالسنة في زكاة الإبل ، فيؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل ، ويعمل فيها ما يعمل في الإبل ، وليس بينهم اختلاف .... وأما حديث معاذ عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فالله أعلم به ، ولو نعلم أن ذلك عن معاذ عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأخذنا به واعتمدنا عليه ، غير أن أصحابنا وأبيا عبيدة وجابر بن زيد لم يأخذوا به ، وقد بلغهم قول من وصفت )) ( 26 ) .

وفي محاولة لشرح سبب الفرق والدليل الإباضي على موقفهم ، قال الجيطالي : (( وأظن أنهم قاسوا ذلك على نصاب الإبل ، أو صح عندهم فيه حديث لم أقف أنا عليه )) ( 27 ) . على أن هنالك مجموعات سنية للأحاديث تروى أحاديث يبدو أنها أساس الرأي ( الإباضي ) ( 28 ) .

2- والنقطة الثانية تتعلق بالأشخاص الذين ينبغي أن تعطي الزكاة لهم . الإباضيون يشترطون أن يكون هذا الشخص في حالة (( ولاية )) . وبناء على ذلك وينبغي للزكاة أن لا تعطى إلا لأهل الولاية . وإذا لم يكن هنالك فقراء بين هؤلاء فإنه يجب أن تعطي لفقراء الإباضية حتى ولو لم يكونوا من أهل (( الولاية )) . وإذا لم يوجد مثل هؤلاء عندئذ تعطى للمسلمين الضعاف الفقراء من غير الإباضية ممن لا يخشى أن يسببوا أذى للإباضية ( 29 ) .

5- النكاح :

تتناول نقطة الخلاف هنا حالة الطرفين اللذين يرتكبان فاحشة الزنى . قال الإباضيون إن مثل هذه العلاقة تشكل عائقا دائما يمنع الزواج بين هذين الطرفين المذنبين . ويروي ابن خلفون أن سائر فقهاء الإباضية مجمعون على هذه النقطة وأسلافهم في هذا الموقف هم الصحابة : عبد الله بن مسعود ، وعائشة ، والبراء بن عازب ، وعلي بن أبي طالب ، وأبو هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وكان عالما البصرة الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن سيرين على هذا الرأي أيضا ( 30 ) . وكذلك قال به الشيعة الإثناء عشرية ( 313 ) . أما مذاهب السنة الأخرى فقالت إنه يجوز للطرفين اللذين ارتكبا فاحشة الزنى أن يتزوج أحدهما الآخر ، إنما اشترط البعض عليهما التوبة والحياة الصالحة فيما لم يضع البعض الآخر أي شرط .

وقدم ابن خلفون في رسالته عرضا مفصلا لهذه القضية ولحجج سائر الأطراف ( 32 ) .

6- الإرث :

بالنسبة للمولى ، قال علماء الإباضية – باستثناء أبي نوح الدهان – إن أموال المولى الذي لا أنسباء له يرثها أهله لا مولاه ( 33 ) . وإذا كان للمولى المتوفى أقرباء ، فإن أمواله يجب أن تعطى لهم ؛ وأما إذا لم يكن هنالك وريث له ينتسب إلى قبيلته فالأموال يجب أن تعطى لأبناء جنسه الحاضرين في بلاده يوم وفاته ، على أن يتساوى نصيب الأنثى والذكر . وإذا كان والداه من عرقين مختلفين فإن بعض علماء الإباضية قالوا بإعطاء أمواله لأهل والده . وبناء على ما قاله أبو الحوارني ، فإن أمواله يجب أن تقسم ثلاثة أنصبة ، ثلثين لأهل والده ، وثلث لأهل والدته . وقال شيوخ جبل نفوسة أن من حضر أولا من أهل المتوفى فهو أحق بالميراث ( 34 ) . وقالت المذاهب الإسلامية الأخرى أنه إذا لم تكن للمولى (( عصبة )) ، فإن مولاه الذي كان قد أعتقه هو وريثه . وإذا لم يكن مولاه حيا ، فإن (( عصبته )) ينبغي لها أن ترث أملاك المولى . وعند عدم وجود أحد من هؤلاء ، فإن أموال المولى تؤول إلى بيت المال ( 35 ).


7- الحدود والقصاص :


إن الخاصة الرئيسة المميزة للمذهب الإباضي في هذا المجال هي التعطيل المؤقت للحدود باستثناء عقوبة الإعدام ( ما عدا الرجم ) خلال فترة الكتمان ( 36 ) . وبالإضافة إلى هذه الخاصة ، يمكن لنا هنا أن نذكر نقطتين أخريين :

1- بين المذاهب الإسلامية كلها ، كان الإباضيون وحدهم هم الذين حددوا الإجراءات التي بموجبها ينبغي أن تدفع مبالغ محددة تعويضا عن إنزال الأضرار الجسدية ، دون الدامية خطورة ، في حين أنه لم يحدد لذلك أي مبلغ من قبل السنة . لقد تركت المذاهب الإسلامية الأخرى مثل هذه الحالات لقرار (( الحكومة )) التي تقدر العقوبة ، أي مقدار ما يخفضه الضرر المشار إليه بقيمة الرقيق ، وهو ما يحدد نسبة الدية التي تدفع ( 37 ) . وقد وضع علماء الإباضية ، بغية اجتناب القرارات غير العادلة من قبل الحكومة ، مقياسا لتقدير الأضرار وتحديد المبلغ الذي يجب أن يدفع تعويضا عنها . ووحده تقدير الأضرار هي (( الراجبة )) ، أو عقدة الطرف في الإبهام ، أي ما يقرب من بوصة واحدة ( 38 ) .

2- وفي القصاص ، إذا كان ينبغي قتل الرجل عقوبة له لقتله امرأة متعمدا ، فإنه يجب على ولي المرأة أن يعيد نصف دية الرجل إلى أقارب الرجل ( 39 ) . وهذا هو الموقف نفسه الذي اتخذه الإثناء عشرية ( 40 ) .

وباستثناء الأمثلة التي ذكرناها أعلاه ، قد يختلف الإباضيون أو يتفقون في نواح عديدة من نظامهم الفقهي مع هذا المذهب الإسلامي أو ذاك . وما عدا ذلك فلا فارق كبيرا بين الفقه الإباضي والفقه السني بوجه عام . وإذا كان الإباضيون يرون نفس الرأي كالشيعة الإثنى عشرية في بعض المسائل ، فإنهم يختلفون عنهم أيضا في نقاط أخرى . ونكاح المتعة ، على سبيل المثال ، هي إحدى المسائل التي يرى فيها الإباضيون رأي السنة والفرع الزيدي ، لكن الشيعة الاثنى عشرية يعتبرونها شرعية ( 41 ) .

على أي حال ، فقد نوقش بعض هذه المسائل في وقت باكر من قبل المصادر الإباضية كمدونة أبي غانم . وفي عدد من الحالات واجه أبو غانم شيوخه برأي العلماء غير الإباضيين ، لكن ردهم كان عادة (( لا شيء فيما يقولونه ؛ هم رووا الأكاذيب و أخطأوا في الرواية ؛ إننا لا نتبع هذا الخبر . فقهاؤنا لا يعترفون بهذه الرواية الخ ... ( 42 ) ، من غير إيراد أي حجج دعما لهذه الادعاءات . وفي حالات معينة ، كحالة أن الولد ، وحالة المكاتب عرضوا حججهم وبراهينهم بالتفصيل ( 43 ) . والعلماء المسلمون الآخرون يشار إليهم بعبارة (( فقهاء قومنا . وعند سماع أبي المؤرخ شخصيا بأن أبا عبيدة قال : (( وكل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فقلت ( أبو غانم ) له حينئذ : يا أبا المؤرخ إن هذا قول قومنا ، قال : قومك يقولون حقا كثيرا لم يخالفهم المسلمون فيما أصابوا ، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطأوا فيه وكذبوا )) ( 44 ) .

كان الإباضيون ينظرون إلى أنفسهم باستمرار بأنهم المسلمون الحقيقيون ؛ وبأن شرعهم هو الدين الإسلامي الصحيح معتبرين أن مذهبهم هو الممثل الحث للسنة الصحيحة والمتفوق على المذاهب الإسلامية الأخرى . وقد عبر الشيخ الإباضي محمد يوسف اطفيش في العصر الحديث عن هذا الرأي بالكلمات التالية :
(( قولنا صواب ويحتمل الخطأ ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب )) ( 45 ) .

على أن هذه النظرة الإباضية إلى المذاهب الفقهية غير الإباضية لم تمنع أحد علمائهم البارزين من إدخال مبدأ جديد على الفقه الإباضي بقوله أنه مسموح للمفتين الإباضيين أن يستعينوا بآراء المذاهب غير الإباضية إذا لم يوجد لعلماء الإباضية آراء في تلك المسائل ( 46 ) .

==================================

.

( 1 ) شاخت ، نشأة الفقه الإسلامي ، 261 .

( 2 ) المصدر السابق .

( 3 ) المصدر السابق .

( 4 ) توفي جابر سنة 93 هـ . وولد مالك بين 90 و 97 هـ . انظر : أبو زهرة ، مالك ( ط 2 ، القاهرة ، 1952 ) ، 24 .

( 5 ) ولد أبو حنيفة نحو 81 / 700 ؛ انظر محمد أبو زهرة ، أبو حنيفة ، ( ط 2 ، القاهرة ، 1955 ) ، 12 .

( 6 ) كولسون ، تاريخ الشرع الإسلامي ، 109 .

( 7 ) المصدر نفسه .

( 8 ) شاخت ، نشأة ، 236 – 237 .

( 9 ) ابن خلفون ، أجوبة 39 ؛ السالمي ، حاشية الجامع الصحيح ، 1 / 177 – 179 .

( 10 ) القرآن ، 5 ، 6 .

( 11 ) ابن خلفون ن المصدر نفسه 39 ؛ أبو غانم ، المدونة ، 17 – 18 ؛ الجيطالي : قواعد ، مخطوطة 67 .

( 12 ) ابن خلفون ، أجوبة ، 39 .

( 13 ) الربيع بن حبيب ، مسند ، 1 / 36 .

( 14 ) المصدر نفسه .

( 15 ) المصدر السابق ، 1 / 36 – 37 .

( 16 ) المصدر السابق ، 1 / 36 .

( 17 ) شاخت ، نشأة ، 263 ؛ الإمام زيد بن علي ، مسند ، 80 – 82 .

( 18 ) جابر بن زيد ، كتاب الصلاة ، مخطوطة 3 .

( 19 ) الجيطالي ، قواعد مخطوطة 199 – 120 ؛ علي معمر أجوبة وفتاوى ( ليبيا ، نالوت ، 1970 ) ، 18 – 23 .

( 20 ) شاخت ، نشأة ، 267 وما يليها .

( 21 ) الشماخي ، سير ، 91 – 92 .

( 22 ) جابر ، كتاب الصلاة 5 – 6 ؛ الربيع بن حبيب ، مسند 1 / 81 ؛ أبو غانم ، المدونة ، 26 .

( 23 ) الجيطالي ، قواعد ، 111 – 112 .

( 24 ) المصدر السابق 112 .

( 25 ) المصدر السابق 113 – 114 ؛ أبو غانم ، المدونة ، 26 ؛ للمزيد من التفاصيل عن الموضوع انظر علي معمر : أحكام السفر في الإسلام ، بيروت ، 1966 .

( 26 ) الربيع بن حبيب ، مسند ، 1 / 84 – 85 .

( 27 ) مالك ، الموطأ 1 / 213 . البخاري ، صحيح 1 / 249 ؛ مسلم ، صحيح 3 / 137 – 38 .

( 28 ) أبو غانم ، المدونة 71 ؛ الجيطالي ، قواعد ، 196 .

( 29 ) الربيع بن حبيب ، مسند ، 1 / 33 ، 85 .

( 30 ) الجيطالي ، مصدر مذكور سابقا ، 198 ؛ الجناوني : الوضع ، 156 .

( 31 ) الجيطالي ، مصدر مذكور سابقا ، 206 .

( 32 ) المصدر السابق ، 164 .

( 33 ) الزيلعي ، نصب الراية ( 1938 / 1357 ) ، 2 / 346 – 353 .

( 34 ) أبو غانم ، المدونة ، 68 – 69 .

( 35 ) الجيطالي ، قواعد ، 164 .

( 36 ) الزيلعي ، نصب الراية ، 2 / 347 – 348 .

( 37 ) الجيطالي ، قواعد 180 ؛ أبو ساكن الشماخي ، إيضاح ، مخطوطة 2 / 46 .

( 38 ) ابن خلفون ، أجوبة ، 9 .

( 39 ) شاخت ، نشأة ، 268 .

( 40 ) ابن خلفون ، أجوبة 9 – 14 .

( 41 ) أبو غانم ، المدونة 337 .

( 42 ) السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 3 / 441 ؛ الجيطالي ، فرائض مخطوطة 12 ب – 13 أ.

( 43 ) شاخت ، مدخل ، 170 .

( 44 ) انظر أعلاه 172 – 174 وما يلي 412 .

( 45 ) شاخت مصدر مذكور سابقا 186 .

( 46 ) للمزيد من التفاصيل انظر : عبد العزيز الثميني ، النيل ( تحقيق بكلي عبد الرحمن بن عمر ن الجزائر ، 1969 ) ، 3 / 980 – 987 ، والوامش ص 981 – 982 ، 987 – 90 .

 

 

 
 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع