مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة
 

 

 

الفروق الجوهرية بين الإباضية والمذاهب السنية

 

إن المذهب الإباضي يختلف مع المذاهب السنية في الأسس البنائية التي يقوم عليها كل واحد من الفريقين.

يقوم المذهب الإباضي على اعتبار بداية الإسلام مع ظهور النص، فلا إسلام قبل نزول النص، فلهذا فإن النص في المذهب الإباضي هو المرجع والمآل في الإنطلاق نحو البناء الكوني للفرد والأسرة والمجتمع والأمة.

ومفهوم النص في المذهب الإباضي لا يختلف عنه في المدرسة السنية باختلاف مشاربها، فالنص عند الإباضية ينقسم إلى:

1- القرآن الكريم: قطعي الثبوث ( متواتر)

2 - السنة العملية المتواترة التي نقلها الثقات جيل بعد جيل، وهي محل اتفاق عند عقلاء الأمة، فهي قطعية الثبوت.

3- الروايات الآحادية وهي التي لم يبلغ الجميع علمها فهي ظنية الثبوت.

يرى الإباضية أن حجية القرآن الكريم مقدمه على غيره، وان السنة العملية قطيعة الثبوت وهي حاكمة على الروايات الاحادية التي تقبل فقط إذا وافقت أصلا راسخاً في الشريعة ثبت عن طريق الكتاب العزيز أو السنة العملية المتواترة أو يوافق كليات الشريعة التي تثبت باستقراء النصوص المختلفة.

فالتصحيح والتضعيف عند الإباضية مبني أساساً على رؤية نقدية للمتن لا من خلال الترجيح الإسنادي الطاغي على مدرسة أهل الحديث الحنبلية. وذلك لأن الإباضية ينطلقون في تعاملهم مع الروايات الآحادية على استقراء نصوص الكتاب العزيز كقوله تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} باعتبار أن السنة هي شارحة للقرآن فلا يجوز أن تخالفه أو تعارضه، وعلى نص روائي ثابت عندهم وهو ما رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب البصري (ت 181هـ) عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني" (الجامع الصحيح مسند الربيع برقم 40)، وكم من حديث ضعيف عند الحنابلة مقبول عن الإباضية لموافقته كتاب الله وبالتالي تطبيقاً من الإباضية لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أن ما وافق الكتاب العزيز فمنه فإنهم يثبتون تلك الرواية ويعتبرون صاحبها الكذاب مثلاً (صادقاً في نقلها وهو كذوب).

ومن أمثلة ذلك حديث "كل أمر لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" ضعيف عند الحنابلة صحيح عندنا للأن القرآن العظيم بطوله وعرضه يخبرنا بأن الأجمل في حق المسلم أن يبدأ عمله بذكر اسم الله. ولا أدل على ذلك من قوله (وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقوله تعالى {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وقوله (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) وقال (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في ما تواتر عنه عند الأمة من أن الصلاة تحريمها التكبير (الله أكبر = اسم الله)، وإلى غير ذلك من نصوص صحيحة.

فمنهج الإباضية في التعامل مع الروايات منهج فقهي باحث نقدي، بينما يتبع أهل الحديث المنهج الروائي الإسنادي التلفيقي، ومن دلائل ذلك أنك تجد في أحد أهم مراجع الإباضية الفقهية وهو كتاب "المدونة" لأبي غانم الخراساني (ت 160-200هـ) ينقل أئمة الإباضية السنة العملية بطريقة فقهية دون نقل إسنادي في أغلب الأحيان، كقول أبي عبيدة (ت 140-160هـ) هذا الذي جاءت به السنة، أو السنة في هذا...الخ.

ومن هنا ترى الإباضية يختلفون مع المدرسة السنية في بعض القضايا الفقهية بسبب اختلاف منهجية التعامل مع الروايات بين المدرستين. ومن تلك الإختلافات.
1-
المسح على الخفين، والرفع والضم في الصلاة، التأمين في الصلاة، القنوت في الصلاة، التشهد حيث لا يأتي الإباضية بالصلاة الإبراهيمية داخل الصلاة وإنما يأخرونها إلى ما بعد التشهد لأنها من كلام الآدميين، وقد ثبت لديهم (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين). فلهذا استقر العمل عندهم على الدعاء بعد التشهد وقبل التسليم بأدعية من القرآن، حتى نبغ بينهم بعض المحدثين الذين فرضوا على المجتمع إدخال الصلاة الإبراهيمية في التشهد!.
2-
تحريم زواج الزاني بمزنيته.
3-
القول ببطلان صوم الجنب إن كان مصرا على الجنابة أو تأخر في الغسل.
4-
تحريم الزواج من الكتابيات إن كن من أهل الحرب، وتحريم طعام الحربيين من الكتابيين.
 

كما أن المدرسة الإباضية نشأت في معزل عن العمالة السياسية للدولة الأموية كما هو الحال مع أئمة المدرسة السنية (الزهري وأبي الزناد) لبني أمية، ومالك لأبي جعفر المنصور، وأحمد بن حنبل للمتوكل، فلهذا فإن الإباضية لم يتأثروا بالفكرة النازية الفاشية التي تدّعي قدسية عرق معين على آخر، ووجوب إمامة القرشيين أو العلويين، فلهذا رفضوا روايات القرشية وقالوا بأن المسلمين الأحرار أكفاء، وأن ميزان المفاضلة هو الميزان الرباني لا غير، وهو الذي فصّله الله تعالى وبينه في قوله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

واعتبر الإباضية قضايا القرشية والعلوية والأموية قضايا منافية للإسلام، بل أن الإسلام ينسب هذه النوعية من المفاضلة حسب الأعراق إلى إبليس عدو رب العالمين، حيث أورد على لسانه إقراره السافر بسبب عصيانه لأمر الله {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، فميزان المفاضلة العرقي ليس إسلامياً إنه ميزان شيطاني، فلهذا تجد الإباضية من أشد الناس محاربة له.

وهم أكثر المذاهب دعوة إلى تحقيق العدالة الإجتماعية على المستوى البشري احتراماً لبشرية الإنسان،
والتزاماً بمنهج القرآن الذي رسخ فكرة المساواة الربانية {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، والقائل في دحض شبهة التفاضل العرقي الشيطانية {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} فقرابة العلويين من الرسول وقرابة القرشيين منه لا تغني في ميزان الله شيئاً بل أنها تحقق فوضى الوسائط الوثنية، ولو كانت تغني من الحق شيئاً لأغنت ابن نوح وزوجته وزوجة لوط، ولأغنت أبا لهب من الحريق واللهب.

كما أن الإباضية يأخذون بمبدأ جواز الخروج على الحاكم الفاسق الذي لا يقيم حدود (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، استقراءاً منهم لعمومات نصوص كثيرة تدعو إلى نصرة الحق ومحاربة الباطل {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، إلى غير ذلك، ولا يقولون بوجوب ذلك كما قالت الخوارج (الأزارقة والصفرية)، واتفق ابن حزم وأبي حنيفة مع الإباضية مع هذا الأصل الإباضي.

ك
ما أن الثورة على الظالم عند الإباضية ليست عملية عشوائية بل هي عملية منظمة أشبه بالإنقلاب الأبيض الغير مسلح، فهم يشترطون للثوار أن يكون لهم نصف قوات الحاكم الفاسق ولهم نصف عتاده مستلهمين لذلك من قوله تعالى {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

فلهذا لا تجد في تاريخهم عمليات تخريبية كالتي يقوم به أتباع الجماعات الجهادية في المدرسة السنية كاتباع ابن لادن وغيرهم.
 

ونتيجة لإكثار المدرسة السنية من الرواية ونتيجة لخضوع عملية التدوين الروائية عندهم لضغط السلطة فقد فشت بينهم روايات كثيرة انحرفت بعقيدة الإسلام الصحيحة إلى عقيدة شبيهة بعقائد الملل المنحرفة حيث اعتمدوا قياس الغائب بالشاهد واجروا ذلك على ذات الله فقاسوا الخالق بالمخلوق، وقالوا أن الله يرى وأن القرآن ليس مخلوقاً لأنه كلام الله الذي هو صفة ذات أي هو قديم مع الله فوافقوا بذلك قول النصارى أن المسيح إله لأنه كلمة الله وكلام الله قديم فعيسى قديم والقديم إله!.

بينما قال الإباضية بان القرآن الكريم كلام الله وأنه كما قال الله عز وجل {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} والمحدث ليس قديم، فالقرآن ليس بقديم كما قال النصارى ليثبتوا هرمسيتهم الوثنية القائلة بألوهية المسيح، والمحدث ليس بخالق فهو مخلوق.

وقد أسرف الحنابلة في التشبيه وأغرقوا في التجسيم وأشرب في قلوبهم الحشو بسخفهم فهم لا يعقلون، فقالوا أن لله وجها وصورة على صورة شاب امرد شعره وفرة أجعد قطط، وأن له أسنانا وأصابع وأيدي وأرجل واجناب وأنه يمل ويضحك وينزل ويصعد ويجلس ويهرول وأنه يرى. بل وآخر مخازيهم أنته ينتفض وأن له حلة حمراء وحلة خضراء!. إلى غير ذلك من صفات لا تصدر إلا من بليد الذهن متحجر العقل.

وهذه الشنائع يحيلها العقل لأنها لما فيها لزوم وصف الله بالحد والجسمية والتغيير، وكلها من صفات الحوادث والحادث مخلوق، وهذه الأوصاف التي بثها اليهود بين المسلمين مصادمة لقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقوله {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وقوله {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}

والإباضية يقولون بعدم تغير كلمات الله وتبدلها لأن ذلك قبيح مذموم والله تعالى لا يصدر منه القبيح يقول تعالى {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ} وقال {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} وقال {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وقال {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا}، وقال أتباع المدرسة السنية بتبدل كلمات الله تعالى وانه سيخلف وعيده وسيخرج الفساق من النار!.

ورأى الإباضية في ذلك هدما لشرائع الدين وجعلاً للدين سلماً وجوازاً لاستباحة الفواحش والموبقات لأن الدين في عرف من يؤمن بهذه العقيدة الإرجائية قد أمن بإقراره بالشهادتين من الخلود في عذاب الجبار، ولم يخفى على الإباضية مخالفة هذه العقيدة لنصوص الكتاب العزيز والسنة المتواترة كقوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيه أبدا) وقوله تعالى (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) وقوله (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) وقوله (والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب).

فالتوبه في الإسلام هي أساس دخول العاصي في رحمة الله ونجاته من النار.


أما الشافعة فإن الإباضية يؤمنون بها في إطار النصوص القطعية الثابتة كقوله تعالى (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) وقوله (لا يشفعون إلا لمن ارتضى) والعصاة ليسوا ممن أرتضاهم الله وليسوا ممن عاهد الله، بل ارتضى سبحانه الذين يخشونه قال تعالى (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) البينه 8 ، وقال (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم) المائدة 119 .

فالشفاعة عند الإباضية للمؤمنين حتى تخفف عنهم حر يوم القيامة ولتزيدهم درجات في الجنة ، أما العصاة والكفار فقد نفى الله عنهم الشفاعة بقوله (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) وقال (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) وقال (ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل) وقال (أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) .

هذه باختصار مجمل الفروق بين المدرسة الإباضية والمدرسة السنية.

 
 
 

 

Google

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تقتضي ذكر المصدر عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع