مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة
 

 

 

مناظرة الامام أبي عبيدة مع واصل بن عطاء

 

الإمـام أبـو عبيــدة وواصــل بن عطـــاء وجهــا لـوجـــه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

      طرح الأخ " واصل بن عطاء " هذا السؤال في سبلة الدين في تاريخ 18 / 12 / 2003م ، وهذا نص سؤاله :

ما مدى صحة هذه القصة ؟؟؟

     أحبتي في الله ما مدى صحة هذه القصة في كتب علماء الإباضية ، ومن أقدم من ذكرها ، وهل ذكرها مسندة أم لا ؟؟

 ( أن واصل بن عطاء كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول : ( لو قطعته قطعت الإباضية ) فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه ، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه فقيل لواصل : ( هذا أبو عبيدة في الطواف ) فقام إليه واصل فلقيه ، وقال : ( أنت أبو عبيدة ) . قال : ( نعم ) قال واصل : ( أنت الذي بلغني أنك تقول : إن الله يعذب على القدر ؟ ) فقال أبو عبيدة : ( ما كذا قلت ؛ لكن قلت : إن الله يعذب على المقدور ) فقال أبو عبيدة : ( وأنت واصل بن عطاء) قال : ( نعم ) قال أبو عبيدة : ( أنت الذي بلغني عنك أنك تقول : إن الله يعصى بالاستكراه ) فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء ، وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه ؛ يقولون : ( كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة ؛ فسألته فخرج وسألك فلم تجب ) فقال واصل : ( ويحكم بنيت بناءاً منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم فلم أقعد ولم أبرح مكاني ) ) إهـ .

وهذا نص جوابي على سؤاله بتاريخ 14 / 1 / 2004م :

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      أشكرك أخي ( واصل بن عطاء ) على طرحك لهذا السؤال ، والحقيقة كان حري أن تتولى أنت إجابتنا على هذا السؤال وهل بالفعل قمت بمناظرة الإمام أبي عبيدة ام لا ؟ لأنك واصل بن عطاء !!

     على العموم سأحاول أن أتطفل عليكم بما لدي حول هذه القضية وما توصلت إليه راجيا أن توجهوني وراجيا من المشايخ الكرام توجيهي وإرشادي ...

     أخي العزيز لقد تتبعت بعض أقدم المصادر التاريخية وكتب السير المعتمدة لدى الإباضية بحثا عن هذه المناظرة ، فعدت إلى كتاب " بدء الإسلام وشرائع الدين " للواب بن سلام ( ق 3هـ ) وهو أقدم مصدر إباضي في السير والتاريخ ، بل إن المستشرق لفتسكي عد لوابا أول مؤرخ معروف في المغرب ، إلا أني لم أجد ذكرا لهذه المناظرة عنده ( أنظر : ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية ، ط1 : 2000م ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، ص149 ) ؛ وعدت إلى سير الأئمة لأبي زكرياء ( ق 5 هـ ) والحقيقة لم أجد ذكرا لهذه المناظرة عند أبي زكرياء ؛ وكذلك راجعت سير أهل نفوسة ( مخ ) للبغطوري ( ق 6هـ )  فلم أجد شيئا ؛ أيضا راجعت كتاب الجواهر المنتقاه ( مخ ) للبرّادي ( ق 9هـ ) ولم أجد شيئا ؛ وراجعت كتاب السير للشماخي ( ق 10هـ ) ولم أجد شيئا ... 

     ووجدت مرادي في كتاب الطبقات للدرجيني ( ق 7 هـ ) ، فوجدت قصة المناظرة فيه ، فالظاهر أنه انفرد بذكر هذه الحادثة ، فتجد المصادر الحديثة عند تطرقها إلى هذه الحادثة تحيل إليه ...

     وهذا نصها كما جاء في الطبقات : " وحكى بعض أصحابنا أن واصل بن عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ، ويقول : لو قطعته قطعت الإباضية ، قال : فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه ، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه ، فقيل لواصل هذا أبو عبيدة في الطواف ، قال : فقام إليه واصل فلقيه ، وقال : أنت أبو عبيدة ؟ ، قال : نعم ، قال : أنت الذي بلغني أنك تقول : أن الله يعذب على القدر ، فقال أبو عبيدة : ما هكذا قلت ، لكن قلت إن الله يعذب على المقدور ، فقال أبو عبيدة : وأنت واصل بن عطاء ؟ ، قال : نعم ، قال : أنت الذي بلغني عنك أنك تقول : إن الله يعصى بالاستكراه ، قال : فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء . ومضى أبو عبيدة ، وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه يقولون : كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة ، فسألته فخرج وسألك فلم تجب ؟! فقال واصل : ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم ، فلم أقعد ولم أبرح مكاني " إهـ ( أنظر : أبو العباس الدرجيني ، كتاب طبقات المشايخ بالمغرب ، 2/246 ) .

إذا فالذي يظهر أخي العزيز أن كتاب الطبقات هو أقدم مصدر إباضي ذكر هذه الحادثة ، بل – والله أعلم – هو المصدر الوحيد الذي استقل بذكر هذه الحادثة ، والذي يؤكد ذلك أن عددا من المؤلفات المعاصرة عند ذكرها لهذه الحادثة أحالت إليه فقط ، كذلك عدم وجودها في المصادر الأخرى المتقدمة ، أيضا والذي يزيد تأكيد هذا أن الدرجيني أخذها مشافهة عن الإباضية فلم ينقلها من مصدر متقدم عليه وهذا ظاهر من قوله : " وحكى بعض أصحابنا ... إلخ " ؛ ومما يؤسف له أن الدرجيني لم يذكر سند هذه المناظرة فلم يشر إلى من أخذها عنه وإنما اكتفى بـ : " بعض أصحابنا " .

     وقد أشار إلى هذه الحادثة عدد من العلماء والباحثين المعاصرين ، فذكرها الإمام السالمي – رحمه الله – في المشارق ، من غير أن يحيل إلى المصدر الذي اعتمد عليه ، ولكن لا يستبعد اعتماده على الطبقات ، وقد أشار الإمام السالمي إلى نقطة مهمة عند سرده للحادثة وهي كون أبي عبيدة وواصل كانا أعميين ، وهذه النقطة مهمة لنا عندما سنناقش ما ذهب إليه الشيخ الجعبيري حفظه الله ( أنظر : السالمي ، مشارق أنوار العقول ، ط1 :  1416هـ / 1995م ، دار الحكمة ، دمشق ، 408 ) .

     كذلك ذكرها د/ مبارك الراشدي في كتابه " أبي عبيدة وفقهه " ، وقد اعتمد على المشارق فلم يشر إلى الطبقات ( أنظر : الراشدي ، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه ، ط1 : 1413هـ / 1993م ، مطابع الوفاء ، المنصورة ، مصر ، ص140- 141 ) .

     أيضا ذكرها فضيلة الشيخ فرحات الجعبيري – حفظه الله – في كتابه القيم والرائع " البعد الحضاري للعقيدة الإباضية " معتمدا على الطبقات ؛ وقد ذكر إشكلات مهمة معلقا على هذه الحادثة فقال في الهامش : " إن النقد الداخلي للنص يدفع القارئ إلى الاستفادة منه بحذر ذلك لأن النص يستعمل كلمة إباضية للحديث عن اتباع أبي عبيدة وقد بينا في ما سبق أن هذه التسمية لم تستعمل في النصوص إلا من القرن الرابع ... فكيف لواصل بن عطاء أن يستعمل هذه التسمية مع العلم أن أبا عبيدة في مرحلة كتمان وان التسمية الغالبة هي المحكمة أو أهل الاستقامة .

     هذا من جهة . أما من جهة أخرى فيصعب أن نتصور أن مثل هذين العلمين يتم تعارفهما في الحج وهما يعيشان معا في مدينة البصرة .

     ومهما يكن من أمر يبقى النص معبرا عن مدى الاختلاف من البداية بين المعتزلة والإباضية في شأن القدر رغم أنهما يلتقيان في قضايا أخرى كما رأينا . وقد ظلت المصادر الإباضية تعتمد هذا النص ، وقلّ أن تذكر مسألة القدر دون أن يستشهد بهذه المناظرة " إهـ ( أنظر : الدرجيني ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، مطابع الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، 1408هـ / 1987م ، ص416 ) .

     وقد أتعدى حدود الأدب مع الشيخ الجعبيري فأناقش الإشكالات التي طرحها ، ولعل كوني طالب علم على مائدة الشيخ الجعبيري الدسمة بما لذ وطاب يشفع لي التطفل عليه ...

فأقول متكلا على الله تعالى :

1-   نستنتج من نص الشيخ الجعبيري أنه لا يجزم بصحة المناظرة فهو متوقف فلم ينفها ولم يثبتها ، ولكن ذكر إشكالات قد تطعن في صحة المناظرة !

2-         الإشكالية الأولى استخدام النص لمصطلح ( الإباضية ) الذي لم يكن متداولا في عهد الإمام أبي عبيدة ، بل ظهر في النصوص في القرن الرابع الهجري ، وكلامه صحيح ، فأول من استعمل هذا المصطلح هو الشيخ عمروس بن فتح في كتابه القيم " أصول الدينونة الصافية " ، والشيخ عمروس من علماء القرن 3هـ ، وهذا ما ذهب إليه الشيخ النامي في كتابه دراسات عن الإباضية .

     ولكن ليس شرطا عدم تقييد مصطلح الإباضية في النصوص عدم استخدامه وتداوله على الألسن ، فالإمام عبد الله بن إباض الذي ينسب إليه هذه المصطلح – كما تشير إلى ذلك المصادر الإباضية – عاش في القرن الأول الهجري وكان معاصرا للإمام جابر ، وعرف عنه الجهر بالدفاع عن المحكمة أهل الحق والاستقامة ضد طغاة بني أمية ، ورد على الخوارج كالأزارقه ، فلا يستبعد تداول مصطلح الإباضية على الألسن كدلالة على أهل الحق والاستقامة في القرنين الأول والثاني ، إلا أنه لم يتم تقييده في النصوص لعدم وجود حركة نشطه للتأليف في القرن الأول الهجري والثاني هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى لعل الإباضية معروفون بفكرهم وعقيدتهم مجهولون بأشخاصهم ، فلا يظهر منهم إلا من يأمن على نفسه من أذى بني أمية كالإمام عبد الله بن إباض بسبب قوة قبيلته ؛ وأما الضعفاء كالأمام أبي عبيدة – وهو مولى – فهو متستر على نفسه فلا يجهر بمعتقده إلا أمام الخاصة من أصحابه ، ولعل واصل بن عطاء يعلم بمعتقد أبي عبيدة ، أضف إلى ذلك أن أبا عبيدة تم اكتشافه من قبل بني أمية فسجنه الحجاج ولم يخرج من السجن إلا بعد موت الحجاج كما تذكر كتب التاريخ ، إذا فقد أصحب معتقد أبي عبيدة معروف لدى العامة والخاصة ، فهل بعد ذلك نتعجب إن حاول واصل بن عطاء مناظرته ؟!  وهل بعد ذلك نشكك في استخدامه لمصطلح الإباضية ؟!

     ومن جانب آخر يمكن أن نقول أن واصل بن عطاء لم يستخدم مصطلح الإباضية ، فلعله استخدم مصطلح القعدة أو أهل الاستقامة ، إلا أن تناقل النص من شخص إلى آخر قد يتغير قليلا اللفظ دون المساس بالمعنى ، فلعل بعض الرواة استبدلوا مصطلح القعدة بمصطلح الإباضية عندما أصبح مصطلح الإباضية أكثر دلالة على أهل الحق والاستقامة ، وهو يؤدي نفس معنى مصطلح القعدة أو أهل الاستقامة ، وهذا احتمال كبير ...

3-             الأشكالية الثانية التي أوردها الشيخ الجعبيري هي قوله : " ... أما من جهة أخرى فيصعب أن نتصور أن مثل هذين العلمين يتم تعارفهما في الحج وهما يعيشان معا في مدينة البصرة ... " .

     قد يجاب على هذا بأن مدينة البصرة مدينة كبيره جدا ، ولم تكن توجد وسائل النقل السريعة الموجودة الآن في ذلك الزمن حتى يتمكن واصل بن عطاء من الذهاب إلى الإمام أبي عبيدة ومناظرته ، فالأمر فيه مشقه وجهد ، كذلك البصرة كانت تعج ببني أمية فلعل واصلا كان متخفيا عن عيونهم فيصعب عليه التنقل بحرية ، كما أن أبا عبيدة كان كذلك متخفيا ولا يتنقل بحرية فما البال بمناظره بين علمين وتصريح بالمعتقدات !!

     فلعل الفرصة كانت مواتية في موسم الحج فانتهزها واصل إلا أن محاولته باءت بالفشل !! ، ويمكن أن يقال أيضا أن واصلا لم يناظر أبا عبيدة في البصرة لأنه لم يكن مستعدا له فكان يخاف من أن يتمكن منه أبو عبيدة فيقيم عليه الحجة ويفحمه بدل أن يحدث العكس ، فظل لسنوات عديده يتعمق في معتقداته ويقوي منها وهذا ظاهر من قوله : " ...  ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم ، فلم أقعد ولم أبرح مكاني " ، فلعله كان في وجوده في البصرة مشغولا بتقعيد قواعد مذهبه فكان يتجنب الخوض في المناظرات ، وعندما اطمأن إلى قوة حججه وأنه يمكن أن يفحم خصمه تجرأ على الإمام أبي عبيدة فأفحمه أبو عبيدة وهدم بناء أربعين سنة في وقفة واحدة !!!!!!!

     وذكرت سابقا أن الإمام السالمي أشار إلى أن أبا عبيدة وواصلا كانا أعميين ، وبالفعل فالمصادر الإباضية تذكر أن أبا عبيدة أصيب بالعمى في آخر عمره ، أما واصل بن عطاء فالحقيقة لا يوجد لدي شيء حول كونه أصيب بالعمى أم لا ؟ ليؤكد ما ذهب إليه الإمام السالمي ، فأتمنى من الأخوة مراجعة ترجمة واصل بن عطاء في كتب الرجال ليفيدونا حيث أنها لا توجد لدي الآن للأسف .

     ولكن على العموم واعتمادا على كلام الإمام السالمي ، يفهم من النص الذي أورده الدرجيني أن أصحاب واصل نبهوه إلى وجود أبي عبيدة في المسجد الحرام يطوف فواصل كان أعمى !

     وسأل واصل أبا عبيدة : أنت أبو عبيدة ؟ ليتأكد من شخصه ، وكذلك سأله أبو عبيدة نفس السؤال ليتأكد من شخصه لأنه أيضا كان أعمى ، وفي هذا جواب آخر على هذه الإشكالية التي طرحها الشيخ الجعبيري ، فهما يعرفان بعض مسبقا إلا أنهما بسبب العمى احتاجا إلى من ينبههما إلى بعضهما  والله أعلم !!

     هذه هي الإشكالات التي أوردها الشيخ الجعبيري والتي تشكك في صحة هذه المناظرة وقد حاولت متطفلا أن أجيب عليها راجيا منك توجيهي وتصويبي ... ثم ختم الشيخ الجعبيري كلامه بالإشارة إلى كون النص يبقى معبرا عن مدى الاختلاف من البداية بين المعتزلة والإباضية في شأن القدر رغم أنهما يلتقيان في قضايا أخرى ... فحتى لو كانت المناظرة لم تقع فإن مضمونها يبقى صحيحا من الناحية الخلاف بين الإباضية والمعتزلة في قضية القدر ....

                                                                      وتقبلوا شكري واحترامي

 

مهنا بن راشد بن حمد السعدي

3 من ذي الحجة 1424هـ / 24 من يناير 2004م

abujaifar@hotmail.com

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تقتضي ذكر المصدر عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع