مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

فصول كتاب سمر أسرة مسلمة  

 

الليلـة الـرابعـة

كان نجيب آخر من دخل إلى حجرة الاجتماع ، فوجد أبويه يتحدثان عن الحالة المادية للأسرة ، وعن دخل الأب ، ونفقة البيت فسلم وجلس ، وكان يود أن يعرف شيئا عن أحوالهما المالية ، فإنه لم يسمع منهما شكاة طوال عمره القصير ولم ير منها إلا ما ينبئ عن الرضا والقناعة ، ولم يجر على لسانيهما إلا الحمد لله على النعمة ، فلما اطمأن به المجلس قال : يبدو إن سمرنا الليلة سيتناول موضوعا جديدا هو الجانب المادي من حياة الأسرة ، فالتفتت إليه الأم قائلة : لماذا تتعجل الحديث عن المادة يا بني ؟ نحن لم نستوعب الحديث عن الروح ، أعني إننا لم نستوعب النقاش عما يتعلق بالعقيدة والدين ، فلقد من الله عليك يا ولدي بنعمة الحياة ، ورزقك العقل السليم في الجسم السليم ، حتى بلغت سن الرشد ، ودخلت مرحلة الرجولة ، وان أوكد ما تهتم له الآن ، وتشغل به نفسك ، إنما هو شكر الله على نعمته عليك ، وشكر الله على نعمته لا يتأتى إلا بالإيمان به ، ومعرفة طرق عبادته ، والعمل بما يرضيه ، ولقد حدثك أبوك في الأسمار السابقة عن ركيزتين من ركائز الإيمان ، ولا يزال السمر لم يتناول الركيزة الثالثة .

قال نجيب : تعنين يا أماه الإيمان برسالة محمد  ؟ .

قالت الأم : نعم أعني الإيمان برسالة محمد  وهي الجزء الثالث ، أو الركن الثالث ، أو الركيزة الثالثة ، التي لا يتم الإيمان إلا بها ، فإن الإنسان الذي يؤمن بالله ويصدق بمحمد ولكنه يكذب بما جاء به محمد هو مشرك أيضا ، فالإيمان بالله والتصديق برسالته وإنها حق من الله هي الركائز الثلاث التي لا يقوم الإيمان إلا عليها ، ومن أخل (1)بواحدة منها بقي على الشرك .

قال نجيب : فعلى ماذا تشتمل رسالة محمد  ؟

قال الأب : بالإضافة إلى الإيمان بالله ومعرفة توحيده وإلى معرفة محمد  والإيمان بأنه نبي الله ورسوله وانه خاتم النبيين والمرسلين فإنه يجب الإيمان بحقائق أخرى تشتمل عليها رسالة محمد  كما تشتمل على الحقائق السابقة .

قال نجيب : ما هي هذه الحقائق يا أبي ؟

قال الأب : أن تؤمن بأن الموت حق .

قال نجيب : وهل يوجد من يكذب بالموت ؟ إنها الحقيقة الظاهرة التي نشاهدها كل يوم ، وهذه الحقيقة يجب أن يؤمن بها الناس ولو لم يدع إليها الأنبياء عليهم السلام .

قال الأب : إن دين الله يا بني لم يطلب من الناس إلا الإيمان بالحقائق ؟

قال نجيب : في إمكاني أن أستنتج أن كنت لا أجزم بصحة استنتاجاتي .

قال الأب : هات ما وصلت إليه من استنتاج .

قال نجيب بعد تفكير : إن الناس ينتهون إلى الموت طالت أعمارهم أو قصرت ، دون أن ينالوا ما قدموه من خير أو شر .

قال الأب : وماذا أيضا ؟

قال نجيب : أعتقد أن الناس لم يخلقوا سدى فكل عمل لابد أن يكون له جزاء يناسبه .

قال الأب : حسنا وماذا تبني على ذلك ؟

قال نجيب : لقد لاحظت أن الله عز وجل لا يجازي الناس على أعمالهم كل الجزاء في الحياة الدنيا .

قال الأب : وكيف لاحظت هذا ؟

قال نجيب : رأيت كثيرا من المشركين والأشرار والظلمة ، يعيشون في هذه الدنيا عيشة راضية لا يظهر فيها انتقام الله منهم .

قال الأب : هذا صحيح ثم ماذا ؟

قال نجيب : ورأيت كثيرا من الأخبار والصالحين يبتلون بأنواع من البلاء ولا يظهر جزاء الله لهم على أعمالهم الخيرة .

قال الأب : وماذا تستنتج من هذه المقدمات الكثيرة ؟

قال نجيب : استنتج منها أن الحياة دار عمل فقط أما دار الجزاء فتكون بعد الموت وفيها يجازى الناس على قدر أعمالهم من خير أو شر .

قالت الأم : ولكن كيف ينال الناس جزاءهم على أعمـالهم وهم قد ماتوا ؟

قال نجيب : يبعثهم الله بعد الموت فيحاسبهم على أعمالهم ويجازيهم عنها والله الذي خلقهم من العدم قادر أن يبعث فيهم الحياة من جديد .

قال الأب : ذلك هو حقيقة ما تدعو إليه الأديان جميعها ، ومما اشتملت عليه الركيزة الثالثة من كلمة الشهادة التي يدعو إليها رسول الله r أن يعرف المسلم : أن جميع المخلوقات سوف تفنى وان الناس جميعا سوف يموتون ، وبعد أن تنتهي الحياة على الدنيا يبعث الله الناس من جديد فيحاسبهم على أعمالهم في الدنيا ويجازي المؤمنين المحسنين بالخلود في الجنة ويجازي المشركين والكافرين بالخلود في جهنم .

قالت الأم : أنت تقرأ التشهد كل صلاة .

قال نجيب : نعم إني أقرا التشهد في الصلاة الرباعية والثلاثية مرتين واقرأ في الصلاة الثنائية مرة واحدة .

قالت الأم : وتقرأ في آخره الجمل الآتية : أشهد أن الموت حق وان البعث حق وان الحساب حق وان الجنة حق وان النار حق وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور .

قال نجيب : نعم إنني أقرا هذه الجمل في التشهد الأخير من كل صلاة ، فريضة بالحياة الأخرى كما بينها الإسلام .

قالت الأم : ها أنت يا ولدي تشهد عدداً من المرات في اليوم أنك مؤمن بالحياة الأخرى كما بينها الإسلام .

قال نجيب : صحيح ما تقولين يا أماه فإني مؤمن بهذا مقر به وهل يستطيع إنسان يفكر تفكيرا سليما أن ينكر هذا ! على أن الدروس التي تلقيتها في المدرسة وإرشاداتكما أنت وأبي في كثير من المناسبات ، وما أسمعه من أحاديثكما الشيقة في مواضيع الإيمان ، كل هذا قد عرفني بكثير مما يأمر به الإسلام ويوجبه من قول وعمل .

قال الأب : وعلى هذا فقد قامت عليك الحجة بالطريقين .

قال نجيب : ماذا تعني بكلمة الطريقين يا أبي ؟

قال الأب : أعني أن الحجة قامت عليك بطريق العقل وبطريق السمع .

قال نجيب : هذا إذا كانت استنتاجاتي عقلية ..

قالت الأم : يحسن بنا أن ننقل المناقشة إلى بقية المواضيع التي يجب الإيمان بها مما تشتمل عليه رسالة محمد  .

قال الأب : وهو يبتسم : إنني غير مستعد أن أواصل معكما النقاش ؟

وقالت الأم وهي تنظر إلى زوجها في قلق : لعلك مرهق ؟

قال الأب وهو لا يزال يبتسم : ما بي تعب ولست مرهقاً ، ولكنني لم أر الموقد ولا إبريق الشاي كما تعودنا في الأسمار السابقة فضحكت الأسرة وقامت الأم وهي تقول : ما أهون ما تطلبه أيها الزوج المدلل ! ..

بعد دقائق عادت تحمل الموقد والإبريق وثلاثة أكواب فارغة ووضعت الجميع أمامها ثم قالت : بعد دقائق قليلة سيكون الشاي جاهزاً .

قال الأب : في إمكاننا أن نستمر في حديثنا دون أن ننتظر الشاي .

قال نجيب : فما هو الموضوع الذي نبدأ فيه الحديث ؟

قالت الأم : إنك شهدت يا ولدي أن ما جاء به محمد حق .

قال نجيب : نعم يا أمي إني آمنت بذلك وأقررت به .

قالت الأم : بقي عليك أن تعرف كيف وصل هذا الحق إلى محمد  .

قال نجيب : أود أن تشرحي لي ذلك يا أماه .

أفرغت الأم الشاي وناولت كوبا لزوجها وكوبا لولدها ثم قالت : إن أباك بعد أن تناول كوبا من الشاي وسرت الحرارة في أمعائه يحسن به أن يتولى النقاش معك في هذا الموضوع الهام .

فاتجه نجيب إلى أبيه وقال : إنني على استعداد للسماع والفهم يا أبي قال نجيب : أن أمك غفر الله لها تخلط الجد بالهزل لكن ذلك لا يمنعنا من قبول أوامرها .

قالت الأم : معاذ الله أن أصدر إليك أمراً أيها الزوج الحبيب ، فأنت القوام على هذا البيت ، ولك فيه الأمر ، وعلي السمع والطاعة .

قال الأب : أن اقتراحاتك ورغباتك تنفذ دون مناقشة ، وذلك لما تحمله دائما من حق وصواب .

وأرادت الأم أن تتكلم فسبقها نجيب قائلا : متعني الله بحياتكما ، إنكما لمثل أعلى لما يكون عليه زوجان متحابان ، وأبوان كريمان شريفان ، ثم اتجه إلى أبيه وقال : كيف وصلت الرسالة إلى سيدنا محمد  يا أبي ؟

قال الأب : أن الله U أراد أن يكون محمد صلوات الله وسلامه عليه آخر الأنبياء المرسلين ، فأنزل عليه القرآن الكريم[ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] (1)ورضي الإسلام دينا للبشر أجمعين .

قال نجيب : وكيف نزل القرآن الكريم على رسول الله  ؟

قال الأب : نزل بطريقة الوحي .

قال نجيب : وكيف ينزل الوحي على الرسول  ؟

قال الأب : يأتي به الملك فيتمثل حينا في صورة رجل فيكلم الرسول  فيتلقى عنه ما يقول ، وأحيانا يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس وحين ينفصل عنه يكون الرسول  قد وعى ما نزل عليه وحفظه .

قال نجيب : ومن هو الملك الذي يأتي بالوحي إلى الرسول  .

قال الأب : هو جبريل  .

قال نجيب : وهل هذه هي الطريقة التي كان ينزل الله بها وحيه ويبلغ بها أوامره إلى الأنبياء بواسطة ملائكته المتعددة ، فقد يبعث (*)ملكاً في صورة رجل فيكلم النبي كلاماً ، وقد يرسل صوتا كصلصلة الجرس ، وقد يلقي الوحي في روح النبي بطريقة الإلهام أو بطريقة الرؤيا الصادقة أو بما شاء الله من الوسائل التي يبلغ الله بها وحيه إلى عباده المخلصين (2).

قال نجيب : هل هناك فرق بين النبي والرسول يا أبي ؟

قال الأب : إن الرسول هو الإنسان الذي اختاره الله لإبلاغ رسالته إلى الناس فأنزل عليه الوحي وأمره بالتبليغ إلى الناس ، أما النبي فهو الإنسان الذي اصطفاه الله وأنزل عليه الوحي ولم يأمره بالتبليغ إلى الناس والمؤمن يا ولدي يجب عليه أن يؤمن بجميع الأنبياء وجميع الرسل وان يؤمن بجميع ما أنزل عليهم من الكتب ويخصص من تلك الكتب القرآن الكريم الذي أنزل على سيدنا محمد  ويؤمن بكل ما جاء فيه أنه حق من عند الله ومن أنكر شيئا منه ولو حرفا واحداً أو شك فيه فهو مشرك .

قال نجيب : وهل يجب على المسلم أن يعرف جميع الأنبياء يا أبي ؟

قال الأب : لا يتم إيمان المسلم حتى يؤمن بمحمد وآدم عليهما السلام ويعرفهما أما بقية الأنبياء والرسل فيجب أن يؤمن بهم إجمالا إلا من قامت به الحجة فيجب أن يعرفه ويؤمن به .

قال نجيب : وهل نستطيع أن نعرف عددهم ؟

قال الأب : لقد وردت بعض الأخبار في عددهم ولكننا لا نجزم بذلك ، ولكن القرآن الكريم ذكر جملة منهم ويجب على المسلم أن يؤمن بجميع أولئك الذين ذكرهم الكتاب العزيز ويحسن بالمسلم أن يحفظ أسمائهم فإنه لا يجعل بمسلم أن يجهل شيئا جاء في كتاب الله ؟

قال نجيب : هل يشترك الأنبياء والرسل في بعض الصفات ؟

قال الأب : يجب أن يؤمن المسلم أن جميع الأنبياء يتصفون بالصدق والأمانة ، وأنه يستحيل في حقهم الكذب والغش والخيانة ، وأنه يجوز في حقهم أن يتصفوا بما هو طبيعة بشرية كالنوم والأكل والشراب والمشي في الأسواق ، واتخاذ الأزواج والأولاد وما إلى ذلك ويختص الرسل منهم بأنهم بلغوا ما أمروا به ، ونصحوا أممهم حتى أتاهم اليقين .

قالت الأم : لقد عرفت في سمر سابق ما يجب أن تعرفه مما يجب ويجوز ويستحيل في حق رسول الله  .

قال نجيب : نعم يا أماه .

قالت الأم : إن الصفات التي عرفتها لرسول الله  مما يجب ويجوز ويستحيل في حقه هي نفس الصفات التي يجب أن تعرفها لجميع الأنبياء عليهم السلام .

قال نجيب : وهل بعث الله إلى الناس رسلا من الملائكة بدين أو شريعة ؟

قال نجيب : هذا ما أعنيه يا أبي فقد خطر لي هذا المعنى وأنا أقرأ قوله تعالى : [ اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] (1) .

قال الأب : لا يا ولدي ، فلقد خلق الله الملائكة بطبيعة غير طبيعة البشر ولذلك قال تعالى في الكتاب الكريم : [ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ] (2).

قال نجيب : إذن فما معنى الآية الكريمة يا أبي ؟

قال الأب : إن الله يختار من الملائكة من يحمل رسالاته إلى الأنبياء والمرسلين ، ويختار من البشر رجالا ينزل عليهم وحيا بواسطة رسله من الملائكة ، ومن هؤلاء الرجال الذين يختارهم الله وينزل عليهم وحيه من يجعله نبياً فقط ومنهم من يجعله إلى أمة واحدة ومنهم من يبعثه رسولاً إلى جميع الناس ومنهم من يبعثه الله رسولا إلى الثقلين ؟

قال نجيب:ما معنى الثقلين يا أبي ؟

قال الأب : هم الإنس والجن وقد بعث الله سيدنا محمداً إلى الثقلين ، فالإسـلام هو الديـن الذي رضيه الله للإنس والجن وقد قال تعالى في كتابه العزيز [ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ] (3) .

قال نجيب : وهل صور الملائكة تشبه صور الناس ؟

قال الأب : إن الطبيعة التي خلق الله عليها الملائكة غير الطبيعة التي خلق عليها البشر ، فالملائكة عباد مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، لا ينالهم التعب ، ولا يشق عليهم عمل يكلفون به من الله عز وجل ، وهم أجسـام نورانية (1)محجوبة عن رؤية الناس ، لا يوصفون بالذكورية ولا بالأنوثية ، ولا بالجنون ولا بالطفولية ، ولا بما يتكون به الجسم البشري من لحم ودم وعظم وإنما أقصى ما نعرفه عنهم من الناحية الجسمية إن الله وصفهم بأنهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع (2)، وقد ثبت أن رسول الله  رأى جبريل  على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها ولكنه  لم يصف صورة جبريل  (3).

وينقسم الملائكة إلى قسمين قسم خلق للعبادة [ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ] (4) وقسم لتنفيذ إرادة الله في الخلق وإبلاغ رسالاته إلى الأنبياء ويجب الإيمان بهم جملة حتى تقوم الحجة ولا يتم إيمان المسلم حتى يعرف منهم جبريل وانه الملك الذي كان ينزل بالوحي إلى رسول الله  .

قال نجيب : قلت يا أبي أن الملائكة لا يوصفون بالذكورية ولا بالأنوثية فما معنى ذلك يا أبي .

قال الأب : لا يقال أن الملائكة ذكور ولا يجوز أن يقال إنهم إناث ومن زعم انهم إناث فقد أشرك بالله قال الله في كتابه الكريم .

[ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى] (1) .

قال نجيب : وكيف نتحدث عنهم يا أبي ؟

قال الأب : أما من حيث اللغة فإن الحديث عنهم يجب أن يكون بصيغة المذكر ولا يجوز الحديث عنهم بصيغة الأنثى ولكن ليس معنى هذا أن نصفهم بأنهم ذكور أو إناث فإن هذين الوصفين من طبائع المخلوقات التي تكثر بالتزاوج ولسنا نعرف الطبيعة التي خلق الله بها الملائكة عليهم السلام .

رأي نجيب أن أباه قد استند إلى ظهر الكرسي بعد هذا الحديث الطويل فظن أن أباه أحس بالتعب فالتفت إلى أمه قائلا :

هل لك يا أماه أن تلخصي لنـا موضوع سمرنا كله بأسلوبك الرائع الرقيق ؟

قالت الأم لبيك يا ولدي فأنا على استعداد لذلك وان كنت أعرف ان أباك أدق تعبيراً وأسلس أسلوباً ، وأعرف بحقائق الإيمان .

قال الأب : إني أشكر لك حسن تقديرك ، وسمو عواطفك ، ونبيل أخلاقك أيتها الزوجة الصالحة .

قالت الأم : شكر الله لك ، ثم اعتدلت في جلستها وقالت : أما وقد أرجعتما إلي تلخيص هذا النقاش ، فإنه يسرني أن أنقل إليكم ما قاله أبو حفص عمرو بن جميع رحمه الله في ترجمته لعقيدة التوحيد التي وجدها باللغة البربرية فترجمها إلى العربية بأسلوبه الرائع الجميل قال : (( إن سأل سائل فقال : ما أصل الدين ؟ فقل : الدين هو التوحيد لقوله تعالى : [ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ] والإسلام لا يتم إلا بقول وعمل .

فأما القول : فشهادة إن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، ولا ند ولا ضد ، ولا قرين ، ولا شبيه ، ولا مثل ، وان محمداً عبده ورسوله ، وان ما جاء به حق من عند ربه ، وأما العمل : فالإتيان بجميع الفرائض ، فهذه ثلاثة أقاويل من جاء بهن تامة لم ينقص منهن شيئا ، كمل توحيده فيما بينه وبين الله تعالى وأما فيما بينه وبين الخلائق فحتى يأتي بعشرة أقاويل .

 

أما الأول : فالإيمان بجميع الملائكة والأنبياء والرسل وجميع الكتب التي أنزلت على جميعهم والموت والبعث ويوم القيامة والحساب والعقاب والجنة والنار وجميع ما كان وما يكون وما هو كائن فالله هو المكون له ، فهذه عشرة أقاويل من جاء بهن تامة لم ينقص منهن شيئا كمل توحيده فيما بينه وبين الله تعالى والخلائق فمن ترك واحدة منهن فقد أشرك بالله تعالى ، والشاك في شركه مشرك والشاك في الشاك مشرك إلى يوم القيامة ، ومن جاء بهذه الوجوه كلها ، فقد حرم دمه وماله وسبي ذريته ، وذلك علمه من التوحيد (1).

قال نجيب : هل حفظت هذه العقيدة كلها يا أماه .

قالت الأم : إن عقيدة التوحيد كانت من أوائل ما يحفظ الأطفال وقد كانت الأمهات يلقن بناتهن هذه العقيدة منذ الصغر .

وقل أن تجد عجوزاً في سن أمي لا تحفظ عقيدة التوحيد ، وقد كانت أمي كثيراً ما تأسف لأنها لم تعثر على النسخة الأصلية التي وضعت بالبربرية ، وتقول لي لو أنها وجدتها لحفظتنا حتى وهي عجوز .

قال نجيب : هل كانت البنت يا أماه تتعلم كما يتعلم الطفل في زمن جدتي ؟

قالت الأم : إن البنت يا ولدي كانت تربى تربية إسلامية نظيفة خالصة ، ومن حالت ظروف حياتها دون تعليمها القراءة والكتابة فإن عجائز القرية ولا سيما العزابيات (1)منهن يعلمنها أمور دينها ويلقنها ما تيسر من كتاب الله وحديث رسول الله r ويحفظونها بعض المتون التي وضعها أكابر العلماء في تلخيص الأحكام ويشرحن لها ما يجب عليها معرفته من حقوق الأسرة والجيران وغير ذلك وبذلك تكون عارفة بأكثر ما يجب عليها في دينها وحياتها .

قال نجيب : يا أماه إن فتاة الأمس كانت خيراً من فتاة اليوم .

قالت الأم : هذا ما أعتقده فإن فتاة اليوم غرتها المظاهر أكثر من الحقائق وهي حينما انطلقت إلى المدرسة لم تجد فيها تلك الروح السامية المؤمنة التي كان يضفيها الإيمان والحياء على المرأة .

قال الأب : إن حرمانك من البنات يا أم نجيب يجعلك تنظرين إلى فتاة فستانها فوق ركبتيها وهي تغدو وتروح من المدرسة مع زميلاتها .

ظهر الألم واضحـا على وجه الأم المحرومة وقالت بصوت يكاد يكون أنيناً ، قد يكون ما تقول صحيحاً يا أبا نجيب ولكن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً ، فما أنا إلا أم بين آلاف الأمهات يَجْرفُهُنَّ (2)، تيار الحياة ، وتيار الحياة لا يعني دائما أنه يجرف إلى الأهدى أو إلى الأفضل ، لو جرف إلى الأربح والأرفه ، بل الواقع أن الحياة عندما يقودها ناس لا يؤمنون بالله ولا يتقونه حق تقاته فإنها تبتعد بالركب الذي تحمله عن الحق .

قال نجيب : أعتقد يا والدي أنكما ستفتحان موضوعا شيقا بنقاشكما هذا ، فهل لكما أن تؤخراه إلى ليلة أخرى فإن ورائي هذه الليلة واجبات مدرسية لم أنجزها بعد ..

قال الوالدان بصوت واحد : أصبت يا ولدي فإلى ليلة مقبلة .

وقام نجيب فحيا أبويه تحية المساء ثم انفلت إلى حجرته قرير العين(1) .

 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع