مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

فصول كتاب سمر أسرة مسلمة  

 

الليلة العاشرة

اجتمعت الأسرة بعد صلاة العشاء كما اعتادت أن تجتمع كل ليلة ، وأحضرت الأم الشاي لتصنعه على الطريقة الليبية ، وبدأ الأب السمر فقال : كأنك – يا أم نجيب – اخترت أن تصنعي لنا الشاي على الطريقة الليبية هذه الليلة أيضا ، فهل أصبحت تفضلين شربه على هذه الطريقة مع ما في صناعته عليك من مشقة وتعب وانشغال لمدة طويلة .

قالت الأم : إني لست مغرمة بشرب الشاي لا على هذه الطريقة ولا على غيرها ، وإنما فضلت أن أصنعه على هذه الطريقة لأنها تتيح للمتسامرين راحة في فترات متعددة فأنا عندما أحس أن الجهد قد أخذ منكما ، وأن النقاش طال بكما وأخشى أن يحسن أحدكما أو كلاكما منكما ، وإن الفتور أفرع لكما الشاي وبذلك تجدان وسيلة للاستراحة والانسجام والتفكير الهادي .

قال نجيب : أن أمي تقف أنبل موقف عليه الحب والحنان فهي تسهر على راحتنا وتتيح في فرصة النشاط ولا تغفل لحظة واحدة عن التفكير فينا وفيمـا يسعدن .

قال الأب : إني أعرف رأيك في أمك يا نجيب فلا داعي لأن تسهب في مدحها وتسترسل في إطرائها .

قالت الأم : وهي تبتسم : هل نويتما أن تجعلاني موضوع سمر الليلة .

قال نجيب : بل إنني أطلب منك الليلة أن تفتحي لنا موضوع السمر .

قالت الأم : لبيك يا ولدي الحبيب ! ثم التفتت إلى زوجها وقالت : لقد كانت أسمارنا السابقة كلها في التوحيد وما يتعلق به وفي الشرك وما يلحق به فهل لك يا أبا نجيب أن تذكر لنا بعض الفوارق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق .

قال نجيب : إني أود أن أتأكد من معرفة معنى الكبائر والصغائر أولاً يا أماه ؟

قال الأب : لقد سبق في بعض أسمارنا أن تحدثنا عن المعاصي وقلنا إن الكبيرة هي المعصية التي أوعد الله عليها النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة أما الصغيرة فهي السيئة التي وعد الله أن يغفرها باجتناب الكبائر وبفعل الحسنات .

قالت الأم : قال الله تعالى في كتابه الكريم ] وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[ (1).

وقال تعالى ] لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * لَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [ (2).

قال نجيب : فما الفرق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق ؟

قال الأب : أن التفريق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق واجب ، وكثير من العلماء يحكمون بشرك من لم يفرق بينهما ، وبعدم التفريق بينهما ضل كثير من الناس كالخوارج الذين يحكمون بشرك من يرتكب المعصية وهو مقر بالتوحيد .

قال نجيب : يبدو أن هذا الموضوع خطير جداً بالنسبة للمسلم .

قال الأب : نعم إنه خطير جداً وليس أكبر من أن تحكم على مسلم بالشرك فتخرجه من دين الإسلام وهو يؤمن بالله ورسوله .

قال نجيب : إذن فأرجو أن تعجل يا أبي بإيضاح الفوارق بينهما ؟

قال الأب : يقول العلماء في تعريف كبائر الشرك ما يأتي : من رد على الله U في كتابه الكريم مواجهة بلا تأويل فهو مكذب بالله مشرك به ، ويدخل في ذلك التكذيب بكل ما تجب معرفته من أمور التوحيد ، وكذلك الاستحلال لما حرمه الله تعالى استحلال ترك الفرائض التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على الناس ، وتحريم ما أحل الله نصاً في كتابه الكريم .

قالت الأم : يقول أبو طاهر الجيطالي : " فكل من أنكر وجها من وجوه التوحيد أو جهله ، أو استحل تركه ، أو جهل الشرك أو فعله أو استحل فعله أو أمر به ، أو تقرب بفعل معصية منصوصة إلى الله تعالى ، أو استحل فعلها ، أو أنكر فريضة منصوصة ، أو ملكا أو نبياً منصوصاً ، أو حرم حلالاً منصوصاً فهو مشرك ، لأن كل ذلك رد لحكام كتاب الله ورد ما ورد به القرآن أو تكذيبه شرك والعياذ بالله )) (1).

قال نجيب : لقد أوضح أو طاهر هذا الجانب فما هو الضابط لكبائر النفاق ؟

قال الأب : كبائر النفاق على وجهين (2).

قال نجيب : فما هو الوجه الأول ؟

قال الأب : هو استحلال ما حرم الله بتأويل الخطأ من فاعله أو قائله .

قال نجيب : يعني بأن من أستحل ما حرم الله لأنه أخطأ في الفهم فأول النص تأويلاً غير صحيح وليس بمشرك .

قال الأب : هو ذلك يا بني لأنه استند في خطئه على دليل حسب زعمه .

قال نجيب : والوجه الثاني يا أبي ؟

قال الأب : الأمثلة على ذلك كثيرة فإن جميع ما حرمه الله يدخل في هذا الباب ، كالقتل والزنا وبخس المكيال واليمين الغموس (1)، وشرب الخمر وترك الفرائض وعقوق الوالدين .

قالت الأم : أن أحسن مثال لذلك قوله r وآله (( اجتنبوا الكبائر السبع الموبقات تنجوا : الشرك بالله ، والقتل ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل أموال الناس ظلماً ، والفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين ))(2) .

قال الأب : صدق رسول الله r .

قال نجيب : إن بعض الكبائر التي ذكرتها يا أبي غير موجودة في هذا الحديث الذي روته أمي .

قال الأب : أن الحديث لم يقصد به حصر الكبائر يا ولدي ولكنها كما قال r الموبقات أي المهلكات وهذه جملة منها وذكرت لك جملة أخرى وبقي الكثير تعرفه من دراساتك للقرآن الكريم والسنة النبوية وكتب أعلام الإسلام من مختلف العصور والمذاهب .

قال نجيب : وهل يجب على المؤمن أن يعرف جميع الكبائر بجزئياتها .

قال الأب : يجب على المكلف أن يعرف أن الله أمره بطاعته وأوجب له على ذلك الثواب العظيم ونهاه عن معصيته وأوجب له على ذلك العقاب العظيم .

قالت الأم : تستطيع يا بني أن ترجع بتطبيق الأحكام على الجزئيات بما تحدثنا عليه مما يسع جهله وما لا يسع جهله وعن التكليف المضيق والتكليف الموسع .

قال نجيب : إذن على المكلف أن يعرف في أول البلوغ : أن الله أمره بالطاعة وهي تعني التوحيد والقيام بالفرائض والسنن وأنه أوجب له على ذلك الثواب الجزيل وهو الجنة ونهاه عن ارتكاب المعاصي من الشرك وما يؤدي إليه ، واجتناب المحرمات والمكروهات وأوجب له على ارتكاب شيء من ذلك العذاب الأليم بالنار .

قال الأب : لقد استطعت أن تلخص الموضوع تلخيصا جيدا يا بني .

قال نجيب : الحمد الله على نعمة التوفيق .

قالت الأم : إن نعم الله على العبد لا تحصى .

قال الأب : ولذلك كان من الواجب على المكلف عند البلوغ أن يعرف المن والدلائل .

قال نجيب : ما معنى المن يا أبي ؟

قال الأب : المن هو ما من الله به على عباده في الدنيا والآخرة من نعم لا تحصى .

قالت الأم : قال أبو العباس الشماخي : " ومما يجب علينا مع البلوغ معرفة أن الله من علينا بالنعم وهي عبارة عن المنفعة التي أوصلها الله إلينا على جهة الإحسان ، ونعمه علينا لا تحصى ، كخلق البدن وقواه وإشراقه بالروح والعقل والفهم والفكر والإيمان والعلم والتوفيق إلى المذاهب الحسنة وجميع الملاذ من الملابس والمأكـل والمناكح وغيرها . والنعمة العظمـى الجنة وهي خاصة بالمسلمين (1).

قال الأب : أما أبو سليمان التلاتي (1)فيقول في شرح المن : (( والمن الفضل وهو على قسمين : من عام ، ومن خاص ، فالمن العام هو صحة الأبدان وسعة الأرزاق ، والمـن الخاص هو ما أمتن الله على عبـاده المؤمنين من دخول الجنة )) (2).

قال نجيب : إن شرح العلامة الشماخي أوسع وأشمل لأنه أشار إلى نعمة العقل والإيمان وإشراقة الروح وهي من أجل ما أنعم الله به على عباده .

قال الأب : نعم لقد كان الشماخي يكتب للخواص أما التلاتي فقد كان يكتب لأهل الجملة .

قال نجيب : فما معنى الدلائل يا أبي ؟

قال الأب : هو جميع ما نصبه الله دليلاً على وجوده ووحدانية تعالى كنظام الكون وما فيه من العجائب وكالأنبياء والرسل والكتب وما إلى ذلك .

قالـت الأم : يقول أبو العباس الشـماخي في شـرح معنى الدلائـل : " والدلائل : جميع ما نصبه الله تعالى دليلاً ومرشداً إلى معرفته وإفراده وتوحيده كالكتب والسماوات وما فيها والأرض وما فيها والإنسان بل وسائر الحيوان وما فيه من العجائب وما أشبه هذا من البيانات الشافية والدلائل الواضحة على معرفته "(1) .

قال نجيب : إذن فعلى المكلف أن يعرف حال البلوغ ، النعم الكثيرة التي أسبغها الله عليه في الدنيا وما ينتظره في الآخرة من نعيم مقيم إن هو أطاع الله واتقاه ، وان يعرف ما بثه في الكون وما أرسله مع رسله ، وما أنزله في كتبه مما يدل على وجوده ووحدانيته وربوبيته للخلق جميعاً .

قال الأب : إنك لخصت هذا الموضوع تلخيصاً جيداً يا نجيب .

قال نجيب : إنني أرجو من المولى سبحانه وتعالى أن يوفقني إلى فهم دينه والعمل به ، وان يتقبل عملي ، وان يغفر لي أخطائي .

قال الأب : أن دعاءك يشتمل على الرجاء في رحمة الله أفلا تخاف أن لا يقبل الله دعاءك ؟

قال نجيب : إنني أخاف الله ولكن رجائي فيه قوي أن يتغمدني بالرحمة والغفران .

قالت الأم : قال رسول الله r : (( لو وزن خوف المسلم ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر ))(2) .

قال نجيب : ما معنى تريص يا أماه ؟

قالت الأم : تريص معناه محكم وميزان تريص أي محكم لا خطاً فيه .

قال نجيب : فعلى ماذا يدل الحديث النبوي الشريف ؟

قالت الأم : يحسن أن يتولى أبوك شرح الحديث لك وأن يوضح لك القاعدة الهامة التي تدل عليها ريثما أصب لكما الشاي .

قال الأب : إن المكلف عند البلوغ يا بني إذا اختار الإسلام كما اخترت أنت وعمل بموجب الشرع وما تقتضيه حكمته وأحكامه فإن قلبه يمتلئ أملاً في رحمة الله ورجاء أن يكون من عباد الله وأحكامه فإن قلبه يمتلئ أملاً في رحمة مقبولة ، وحسناته مضاعفة ، وذنوبه مغفورة .

قال نجيب : هذه هي الحال الغالبة على المسلمين يا أبي فما يوجد مسلم فيما أظن – يضعف رجاؤه في الله .

قال الأب : هنا يكن خطر شديد على المؤمن يا ولدي .

قال نجيب : وكيف ذلك يا أبي ؟

قال الأب : إذا ظن الإنسان أنه قام بما أوجبه الله عليه أحسن قيام وأدى ما عليه من الفرائض واجتنب ما نهى عنه من المعاصي غلب عليه الرجاء في رحمة الله والأمن من مكر الله وعذابه وخدعه الشيطان من هذا الجانب فملأ قلبه غروراً .

قال نجيب : إذن فكيف يكون موقف المسلم الموفي بدين الله الحريص على طاعته وتقاه ، ألا يغلب عليه الرجاء في رحمة الله ؟

قال الأب : أن المؤمن يجب أن يعمل وإتيانه بالعمل حسب ما علم لا يضمن له القبول فمن يدريه أن عمله كان صحيحا وان الله جل وعلا قد قبله منه وغفر له .

قال نجيب : إن على الإنسان أن يعمل حسبما علم من دين الله ، أما القبول وعدمه فهذا شيء بيد الله تعالى .

قال الأب : لقد قربت من الجواب الصحيح يا بني .

قال نجيب : وكيف ذلك يا أبي ؟

قال الأب : إن الإنسان حين يعمل كأحسن ما يعلم لا يستطيع أن يعرف إذا كان عمله مقبولا عند الله أو أنه مردود عليه .

قال نجيب : إن هذا من الغيب الذي استأثر الله بعمله فهو لا يعرف ذلك بالتأكيد .

قال الأب : فهو إذن يخاف أن يكون عمله ذلك مردودا عليه غير مقبول عند الله .

قال نجيب : نعم إن قلبه لا يخلو من الخوف .

قال الأب : يعني أن قلب المؤمن بين حالتين رجاء في الله أن يشمله بالرحمة والمغفرة والقبول ، وخوف من الله أن يتولاه بالمقت والغضب والعذاب .

قال نجيب : يعني أن المؤمن يجب أن يكون في آن واحد راجيا ثواب الله خائفاً من عقابه .

قال الأب : ويجب أن يكون هذا الرجاء ، وهذا الخوف متساويان لا يغلب أحدهما على الأخر ، فإنه إن غلب عليه الرجاء أمن عذاب الله ، وإن غلب عليه الخوف أيس من رحمة الله وكلا الموقفين يجلب سخط الله .

قال نجيب : وهذا ما دل عليه الحديث الذي روته أمي آنفاً .

قال الأب : وبالإضافة إلى ذلك فإن الرجاء داع إلى الطاعة مرغب فيها ، وباعث عليها ، وإن الخوف زاجر عن المعصية ، رادع عنها منفر منها .

قالت الأم : وهذا يعني إن الإنسان مهما عمل من طاعة وبر وإحسان فيجب أن يكون قلبه مفعماً بخشية الله وخوف عذابه ، وان المنافق مهما ارتكب من آثام يجب أن يكون قلبه عامراً بالرجاء في الله أن يتولاه بالهداية والتوفيق ويغفر له ما قدم من آثام وذلك إذا هداه إلى التوبة والإنابة .

قال نجيب : هل تذكرين لنا أدلة على هذا من كتاب الله أو سنة رسول الله r يا أماه ؟

قالت الأم : قال الله تبارك وتعالى : ] أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ[ (1)وقال ] قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُـوا مِن رَّحْمَـةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًـا إِنَّهُ هُـوَ الْغَـفُورُ الرَّحِيمُ [ (2)وقال : ] وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [ (3).

قال الأب : يعني أن تغلب الرجاء يؤدي إلى الأمن من عذاب الله ، وان تغلب الخوف يؤدي إلى البأس من رحمة الله .

قالت الأم : وان الإنسان الذي يأمن عذاب الله كالإنسان الذي ييأس من رحمة الله كلاهما كافر بنعمة الله ، جاحد لفضله .

قال نجيب : ولكن يبدوا يا أبي أن الرجاء لا يغلب إلا على الصالحين وذلك لثقتهم في الله ، وان اليأس لا يغلب إلا على المنافقين وذلك لما فرطوا في جنب الله وهذا موقف طبيعي في رأيي الضعيف .

قال الأب : هذا مزلق يزلق ، فيه كثير من الناس وهو أحد الأبواب التي يدخل منها إبليس إلى قلب أبن آدم حتى يفسده عليه .

قال نجيب : وكيف ذلك يا أبي ؟

قال الأب : لا يزال الشيطان يوسوس للإنسان الحريص على الطاعة بأنه وفَّى بدين الله وان مثله حقيق برحمة الله وان رجاءه عنده مقبول وانه لم يعص الله كما يفعل غيره من الناس حتى يتأثر بذلك ويستمع إلى هذا الصوت في قلبه فيظن أنه جدير بالثواب وأن رجاءه عند الله لا يخيب وهذه منزلة لا ينحدر إليها المؤمن الخالص الإيمان ، وقال r (( لن يدخل أحدا الجنة بعمله " قيل : حتى أنت يا رسول الله ؟ قال : " حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته )) (1) أو كما قال رسول الله r . فها قلب رسول الله r وقد اختاره الله هاديا ومبلغاً عامر بالخوف والرجاء .

قال نجيب : هذا مفهوم في الرجاء فكيف في الخوف ؟

قال الأب : إن الإنسان المتمادي في المعاصي يسر الشيطان ويفرح به وكلما أصر الإنسان على المعصية كلما فرح الشيطان ، وان الشيطان ليخشى أن تعرو الإنسان نوبة يذكر فيها ربه ويراجع التوبة فيخسر الصفقة ولذلك فلا يزال يوسوس له ليقطع عنه خط الرحمة كما يقال ، ويزعم أنه ارتكب من المعاصي ما لا تشمله المغفرة ولذلك فلا فائدة من التوبة .

ويحسن أن يتمتع الإنسان في دنياه بأكثر ما يمكن له ما دام قد حرم نعم الآخرة وهي شبهة تغلب على ذوي العقول الضعيفة فيظنها حقاً ويتمادى في المعصية لأنه أيس من رحمة الله حاسبا أن الله لا يغفر الذنوب الكثيرة وقد نبهنا الله إلى ذلك في كثير من آياته البينات وبين لنا أنه يغفر الذنوب جميعاً وانه يقبل من التائبين إذا خلصوا له التوبة وأنابوا إليه .

قالت الأم : إن رحمة الله وسعت كل شيء وعلى ابن آدم أن لا يستكثر عبادته ولا أن يستكثر ذنوبه استكثارا يبعده من رحمة الله ، فإن رحمة الله قريب من المحسنين وان التائبين من ذنوبهم مهما كانت كبيرة وكثيرة هم محسنون هذا إذا كانت توبتهم توبة نصوحاً ، ثم مدت إلى زوجها كوباً من الشاي وهي تقول له :

ما رأيك يا أبا نجيب لو عدت فلخصت لنا مواضيع أسمارنا السابقة حتى يستطيع نجيب أن يتذكرها تذكراً كاملا .

قال الأب : بل يحسن أن توجهي هذا الاقتراح إلى نجيب أيتها الزوجة الصالحة فيقوم بتلخيص ما تناولناه في أسمارنا وإذا بقيت نقطة لم يفهمها جيداً استطعنا أن نعيد فيها الحديث من جديد .

قال نجيب : يسرني يا أبي أن أقوم بهذا التلخيص فهل تريدني أن أبداً الحديث منذ عيد الميلاد ؟

قال الأب وهو يبتسم : إذا كنت ستجدد طلب إعادة الحفلة فابدأ من بعده .

فقال نجيب : إني سأذكر الليالي ليلة ليلة وسألخص ما تحدثنا فيه كل ليلة بما يمكن من الإيجاز .

قال الأب : يكفي أن تذكر رؤوس المواضيع .

قالت الأم : يبدوا أنك كنت تلخص كل ليلة ما يدور بيننا من نقاش وأنك كنت تراجع ما تكتبه .

قال نجيب : نعم يا أماه فقد اشتريت لي مذكرة وطلبت أن أسجل فيها كل يوم جميع أعمالي وأي شيء أفضل من هذه الدروس القيمة التي أخذتها منكما في هذا الأسبوع .

قالت الأم : فأنا أرى أن نؤجل الحديث عن المواضيع السابقة إلى بعض الليالي القادمة حين ننتهي من أحاديثنا عن مواضيع التوحيد وعندئذ نستمع إلى تلخيصك حتى نطمئن إلى انك فهمت هذه الحقائق فهماً صحيحاً .

قال الأب : إن رأي أمك وجبه يا ولدي .

قال نجيب : إني عندما تحبان يا أبوي الكريمين ثم قام فألقى عليهما تحية المساء .

 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع